< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah038
Saad (38)
The letter Saad, makkah, 88 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
عَلَيْها فَمالَ قَلْبُهُ إلَيْها ولَيْسَ لَهُ في هَذا ذَنْبٌ البَتَّةَ، أمّا وقْعُ بَصَرِهِ عَلَيْها مِن غَيْرِ قَصْدٍ فَذَلِكَ لَيْسَ بِذَنْبٍ، وأمّا حُصُولُ المَيْلِ عَقِيبَ النَّظَرِ فَلَيْسَ أيْضًا ذَنْبًا لِأنَّ هَذا المَيْلَ لَيْسَ في وُسْعِهِ، فَلا يَكُونُ مُكَلَّفًا بِهِ بَلْ لَمّا اتَّفَقَ أنْ قُتِلَ زَوْجُها لَمْ يَتَأذَّ تَأذِّيًا عَظِيمًا بِسَبَبِ قَتْلِهِ لِأجْلِ أنَّهُ طَمِعَ أنْ يَتَزَوَّجَ بِتِلْكَ المَرْأةِ فَحَصَلَتِ الزَّلَّةُ بِسَبَبِ هَذا المَعْنى وهو أنَّهُ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ قَتْلُ ذَلِكَ الرَّجُلِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ أهْلُ زَمانِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا أنْ يُطَلِّقَ امْرَأتَهُ حَتّى يَتَزَوَّجَها، وكانَتْ عادَتُهم في هَذا المَعْنى مَأْلُوفَةً مَعْرُوفَةً أوْ أنَّ الأنْصارَ كانُوا يُساوُونَ المُهاجِرِينَ بِهَذا المَعْنى فاتَّفَقَ أنَّ عَيْنَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَعَتْ عَلى تِلْكَ المَرْأةِ فَأحَبَّها فَسَألَهُ النُّزُولَ عَنْها فاسْتَحْيا أنَّ يَرُدَّهُ فَفَعَلَ وهي أُمُّ سُلَيْمانَ فَقِيلَ لَهُ هَذا وإنْ كانَ جائِزًا في ظاهِرِ الشَّرِيعَةِ، إلّا أنَّهُ لا يَلِيقُ بِكَ، فَإنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، فَهَذِهِ وُجُوهٌ ثَلاثَةٌ لَوْ حَمَلْنا هَذِهِ القِصَّةَ عَلى واحِدٍ مِنها لَمْ يَلْزَمْ في حَقِّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا تَرْكُ الأفْضَلِ والأوْلى.
* * *
وأمّا الِاحْتِمالُ الثّالِثُ: وهو أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى وجْهٍ لا يَلْزَمُ إلْحاقُ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ بِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ يُوجِبُ إلْحاقَ أعْظَمِ أنْواعِ المَدْحِ والثَّناءِ بِهِ وهو أنْ نَقُولَ رُوِيَ أنَّ جَماعَةً مِنَ الأعْداءِ طَمِعُوا في أنْ يَقْتُلُوا نَبِيَّ اللَّهِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ لَهُ يَوْمٌ يَخْلُو فِيهِ بِنَفْسِهِ ويَشْتَغِلُ بِطاعَةِ رَبِّهِ، فانْتَهَزُوا الفُرْصَةَ في ذَلِكَ اليَوْمِ وتَسَوَّرُوا المِحْرابَ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ وجَدُوا عِنْدَهُ أقْوامًا يَمْنَعُونَهُ مِنهم فَخافُوا فَوَضَعُوا كَذِبًا، فَقالُوا خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ إلى آخِرِ القِصَّةِ، ولَيْسَ في لَفْظِ القُرْآنِ ما يُمْكِنُ أنْ يُحْتَجَّ بِهِ في إلْحاقِ الذَّنْبِصفحة ١٦٩
بِداوُدَ إلّا ألْفاظٌ أرْبَعَةٌ:أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ .
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ .
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وأنابَ﴾ .
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ ثُمَّ نَقُولُ: وهَذِهِ الألْفاظُ لا يَدُلُّ شَيْءٌ مِنها عَلى ما ذَكَرُوهُ، وتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ لِطَلَبِ قَتْلِهِ بِهَذا الطَّرِيقِ، وعَلِمَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ دَعاهُ الغَضَبُ إلى أنْ يَشْتَغِلَ بِالِانْتِقامِ مِنهم، إلّا أنَّهُ مالَ إلى الصَّفْحِ والتَّجاوُزِ عَنْهم طَلَبًا لِمَرْضاةِ اللَّهِ، قالَ: وكانَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ هي الفِتْنَةُ لِأنَّها جارِيَةٌ مَجْرى الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، ثُمَّ إنَّهُ اسْتَغْفَرَ رَبَّهُ مِمّا هم بِهِ مِنَ الِانْتِقامِ مِنهم وتابَ عَنْ ذَلِكَ الهَمِّ وأنابَ، فَغَفَرَ لَهُ ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ الهَمِّ والعَزْمِ.
والثّانِي: أنَّهُ وإنْ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهم دَخَلُوا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ، إلّا أنَّهُ نَدِمَ عَلى ذَلِكَ الظَّنِّ، وقالَ: لَمّا لَمْ تَقُمْ دَلالَةٌ ولا أمارَةٌ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَبِئْسَما عَلِمْتَ بِهِمْ حَيْثُ ظَنَنْتَ بِهِمْ هَذا الظَّنَّ الرَّدِيءَ، فَكانَ هَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ مِنهُ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ.
الثّالِثُ: أنَّ دُخُولَهم عَلَيْهِ كانَ فِتْنَةً لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَغْفَرَ لِذَلِكَ الدّاخِلِ العازِمِ عَلى قَتْلِهِ، كَما قالَ في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾[محمد: ١٩] فَداوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَغْفَرَ لَهم وأنابَ، أيْ رَجَعَ إلى اللَّهِ تَعالى في طَلَبِ مَغْفِرَةِ ذَلِكَ الدّاخِلِ القاصِدِ لِلْقَتْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ أيْ: غَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ الذَّنْبَ لِأجْلِ احْتِرامِ داوُدَ ولِتَعْظِيمِهِ، كَما قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾[الفتح: ٢]أنَّ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى