< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


العِقابِ، والواقِعَةُ الَّتِي هَذا شَأْنُها وصِفَتُها، فَإنَّ صَرِيحَ العَقْلِ يُوجِبُ السُّكُوتَ عَنْها، فَثَبَتَ أنَّ الحَقَّ ما ذَهَبْنا إلَيْهِ، وأنَّ شَرْحَ تِلْكَ القِصَّةِ مُحَرَّمٌ مَحْظُورٌ فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ المَلِكُ هَذا الكَلامَ سَكَتَ ولَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا.

السّابِعَةُ: أنَّ ذِكْرَ هَذِهِ القِصَّةِ، وذِكْرَ قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقْتَضِي إشاعَةَ الفاحِشَةِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا﴾[النُّورِ: ١٩] .

الثّامِنَةُ: لَوْ سَعى داوُدُ في قَتْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ لَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: «مَن سَعى في دَمِ مُسْلِمٍ ولَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ» وأيْضًا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَكانَ ظالِمًا، فَكانَ يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾[هُودٍ: ١٨] .

التّاسِعَةُ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”مَن حَدَّثَكم بِحَدِيثِ داوُدَ عَلى ما يَرْوِيهِ القَصّاصُ جَلَدْتُهُ مِائَةً وسِتِّينَ“ وهو حَدُّ الفِرْيَةِ عَلى الأنْبِياءِ، ومِمّا يُقَوِّي هَذا أنَّهم لَمّا قالُوا إنَّ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ زَنى وشَهِدَ ثَلاثَةٌ مِن عُدُولِ الصَّحابَةِ بِذَلِكَ، وأمّا الرّابِعُ فَإنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِأنِّي رَأيْتُ ذَلِكَ العَمَلَ. يَعْنِي فَإنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ كَذَّبَ أُولَئِكَ الثَّلاثَةَ وجَلَدَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم ثَمانِينَ جَلْدَةً لِأجْلِ أنَّهم قَذَفُوا، وإذا كانَ الحالُ في واحِدٍ مِن آحادِ الصَّحابَةِ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ الحالُ مَعَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّهُ مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

العاشِرُ: رُوِيَ أنَّ بَعْضَهم ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى ما في كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ لا يَنْبَغِي أنْ يُزادَ عَلَيْها وإنْ كانَتِ الواقِعَةُ عَلى ما ذُكِرَتْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْها لِأجْلِ أنْ يَسْتُرَ تِلْكَ الواقِعَةَ عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلا يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَسْعى في هَتْكِ ذَلِكَ السِّتْرِ بَعْدَ ألْفِ سَنَةٍ أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ فَقالَ

صفحة ١٦٨

عُمَرُ: ”سَماعِي هَذا الكَلامَ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ“ فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها أنَّ القِصَّةَ الَّتِي ذَكَرُوها فاسِدَةٌ باطِلَةٌ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّ كَثِيرًا مِن أكابِرِ المُحَدِّثِينَ والمُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا هَذِهِ القِصَّةَ، فَكَيْفَ الحالُ فِيها ؟ فالجَوابُ الحَقِيقِيُّ أنَّهُ لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ وبَيْنَ خَبَرٍ واحِدٍ مِن أخْبارِ الآحادِ كانَ الرُّجُوعُ إلى الدَّلائِلِ القاطِعَةِ أوْلى، وأيْضًا فالأصْلُ بَراءَةُ الذِّمَّةِ، وأيْضًا فَلَمّا تَعارَضَ دَلِيلُ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ كانَ جانِبُ التَّحْرِيمِ أوْلى، وأيْضًا طَرِيقَةُ الِاحْتِياطِ تُوجِبُ تَرْجِيحَ قَوْلِنا، وأيْضًا فَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ بِتَقْدِيرِ وُقُوعِ هَذِهِ الواقِعَةِ لا يَقُولُ اللَّهُ لَنا يَوْمَ القِيامَةِ لِمَ لَمْ تَسْعَوْا في تَشْهِيرِ هَذِهِ الواقِعَةِ ؟ وأمّا بِتَقْدِيرِ كَوْنِها باطِلَةً فَإنَّ عَلَيْنا في ذِكْرِها أعْظَمَ العِقابِ، وأيْضًا فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”«إذا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فاشْهَدْ» “ وهَهُنا لَمْ يَحْصُلِ العِلْمُ ولا الظَّنُّ في صِحَّةِ هَذِهِ الحِكايَةِ، بَلِ الدَّلائِلُ القاهِرَةُ الَّتِي ذَكَرْناها قائِمَةٌ فَوَجَبَ أنْ لا تَجُوزَ الشَّهادَةُ بِها، وأيْضًا كُلُّ المُفَسِّرِينَ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلى هَذا القَوْلِ بَلِ الأكْثَرُونَ المُحِقُّونَ والمُحَقِّقُونَ مِنهم يَرُدُّونَهُ ويَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالكَذِبِ والفَسادِ، وأيْضًا إذا تَعارَضَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ والمُحَدِّثِينَ فِيهِ تَساقَطَتْ وبَقِيَ الرُّجُوعُ إلى الدَّلائِلِ الَّتِي ذَكَرْناها، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ القِصَّةِ.

أمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى وجْهٍ يُوجِبُ حُصُولَ الصَّغِيرَةِ ولا يُوجِبُ حُصُولَ الكَبِيرَةِ، فَنَقُولُ في كَيْفِيَّةِ هَذِهِ القِصَّةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ المَرْأةَ خَطَبَها أُورِيا فَأجابُوهُ ثُمَّ خَطَبَها داوُدُ فَآثَرَهُ أهْلُها، فَكانَ ذَنْبُهُ أنْ خَطَبَ عَلى خِطْبَةِ أخِيهِ المُؤْمِنِ مَعَ كَثْرَةِ نِسائِهِ.

الثّانِي: قالُوا إنَّهُ وقَعَ بَصَرُهُ