< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah038
Saad (38)
The letter Saad, makkah, 88 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
يَغْفِرُ لَكَ ولِأجْلِكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِ أُمَّتِكَ.
الرّابِعُ: هَبْ أنَّهُ تابَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ زَلَّةٍ صَدَرَتْ مِنهُ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ تِلْكَ الزَّلَّةَ وقَعَتْ بِسَبَبِ المَرْأةِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ تِلْكَ الزَّلَّةَ إنَّما حَصَلَتْ، لِأنَّهُ قَضى لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ كَلامَ الخَصْمِ الثّانِي، فَإنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ فَحَكَمَ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ ظالِمًا بِمُجَرَّدِ دَعْوى الخَصْمِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، لِكَوْنِ هَذا الحُكْمِ مُخالِفًا لِلصَّوابِ، فَعِنْدَ هَذا اشْتَغَلَ بِالِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ، إلّا أنَّ هَذا مِن بابِ تَرْكِ الأفْضَلِ والأوْلى، فَثَبَتَ بِهَذِهِ البَياناتِ أنّا إذا حَمَلْنا هَذِهِ الآياتِ عَلى هَذا الوَجْهِ فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ إسْنادُ شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ ذَلِكَ يُوجِبُ إسْنادَ أعْظَمِ الطّاعاتِ إلَيْهِ، ثُمَّ نَقُولُ: وحَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ أوْلى لِوُجُوهٍ.
الأوَّلُ: أنَّ الأصْلَ في حالِ المُسْلِمِ البُعْدُ عَنِ المَناهِي، لا سِيَّما وهو رَجُلٌ مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ.
والثّانِي: أنَّهُ أحْوَطُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ الآيَةِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ فَإنَّ قَوْمَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أظْهَرُوا السَّفاهَةَ حَيْثُ قالُوا: ﴿هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ واسْتَهْزَءُوا بِهِ حَيْثُ قالُوا: ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ فَقالَ تَعالى في أوَّلِ الآيَةِ: اصْبِرْ يا مُحَمَّدُ عَلى سَفاهَتِهِمْ وتَحَمَّلْ وتَحَلَّمْ ولا تُظْهِرِ الغَضَبَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ، فَهَذا الذِّكْرُ إنَّما يَحْسُنُ إذا كانَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ صَبَرَ عَلى إيذائِهِمْ وتَحَمَّلَ سَفاهَتَهم وحَلِمَ ولَمْ يُظْهِرِ الطَّيْشَ والغَضَبَ، وهَذا المَعْنى إنَّما يَحْصُلُ إذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى ما ذَكَرْناهُ، أمّا إذا حَمَلْناها عَلى ما ذَكَرُوهُ صارَ الكَلامُ مُتَناقِضًا فاسِدًا.
والرّابِعُ: أنَّ تِلْكَ الرِّوايَةَ إنَّما تَتَمَشّى إذا قُلْنا: الخَصْمانِ كانا مَلَكَيْنِ، ولَمّا كانا مِنَ المَلائِكَةِ وما كانَ
صفحة ١٧٠
بَيْنَهُما مُخاصَمَةٌ وما بَغى أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، كانَ قَوْلُهُما خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ كَذِبًا، فَهَذِهِ الرِّوايَةُ لا تَتِمُّ إلّا بِشَيْئَيْنِ:أحَدُهُما: إسْنادُ الكَذِبِ إلى المَلائِكَةِ.
والثّانِي: أنْ يُتَوَسَّلَ بِإسْنادِ الكَذِبِ إلى المَلائِكَةِ إلى إسْنادِ أفْحَشِ القَبائِحِ إلى رَجُلٍ كَبِيرٍ مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ، فَأمّا إذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى ما ذَكَرْنا اسْتَغْنَيْنا عَنْ إسْنادِ الكَذِبِ إلى المَلائِكَةِ، وعَنْ إسْنادِ القَبِيحِ إلى الأنْبِياءِ، فَكانَ قَوْلُنا أوْلى، فَهَذا ما عِنْدَنا في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ. ونَرْجِعُ الآنَ إلى تَفْسِيرِ الآياتِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: الخَصْمُ مَصْدَرُ خَصَمْتُهُ أخْصِمُهُ خَصْمًا، ثُمَّ يُسَمّى بِهِ الِاثْنانِ والجَمْعُ ولا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، يُقالُ هُما خَصْمٌ وهم خَصْمٌ، كَما يُقالُ هُما عَدْلٌ وهم عَدْلٌ، والمَعْنى ذَوا خَصْمٍ وذَوُو خَصْمٍ، وأُرِيدَ بِالخَصْمِ هَهُنا الشَّخْصانِ اللَّذانِ دَخَلا عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ يُقالُ تَسَوَّرَتُ السُّورَ تَسَوُّرًا إذا عَلَوْتَهُ، ومَعْنى: ﴿تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ أيْ أتَوْهُ مِن سُورِهِ وهو أعْلاهُ، يُقالُ تَسَوَّرَ فُلانٌ الدّارَ إذا أتاها مِن قِبَلِ سُورِها. وأمّا المِحْرابُ فالمُرادُ مِنهُ البَيْتُ الَّذِي كانَ داوُدُ يَدْخُلُ فِيهِ ويَشْتَغِلُ بِطاعَةِ رَبِّهِ، وسُمِّيَ ذَلِكَ البَيْتُ المِحْرابَ لِاشْتِمالِهِ عَلى المِحْرابِ، كَما يُسَمّى الشَّيْءُ بِأشْرَفِ أجْزائِهِ، وهَهُنا مَسْألَةٌ مِن عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ، وهي أنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ عِنْدَ بَعْضِ النّاسِ، وهَؤُلاءِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ صِيغَةَ الجَمْعِ في هَذِهِ الآياتِ في أرْبَعَةِ مَواضِعَ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ .
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿إذْ دَخَلُوا﴾ .
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿مِنهُمْ﴾ .
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾فَهَذِهِ الألْفاظُ الأرْبَعَةُ كُلُّها صِيَغُ الجَمْعِ، وهم كانُوا اثْنَيْنِ بِدَلِيلِ أنَّهم قالُوا