< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


صفحة ١٠٠

(سُورَةُ الصّافّاتِ)

وآياتُها ثِنْتانِ وثَمانُونَ ومِائَةٌ

﷽

﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ .

﷽

﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ: ”والصّافّاتِ صَّفًّا“ بِإدْغامِ التّاءِ فِيما يَلِيهِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ والباقُونَ بِالإظْهارِ، وقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إدْغامُ التّاءِ في الصّادِ حَسَنٌ لِمُقارَبَةِ الحَرْفَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا يُسْمَعانِ في الهَمْسِ، والمُدْغَمُ فِيهِ يَزِيدُ عَلى المُدْغَمِ بِالإطْباقِ والصَّفِيرِ، وإدْغامُ الأنْقَصِ في الأزْيَدِ حَسَنٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يُدْغَمَ الأزْيَدُ صَوْتًا في الأنْقَصِ، وأيْضًا إدْغامُ التّاءِ في الزّايِ في قَوْلِهِ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ حَسَنٌ؛ لِأنَّ التّاءَ مَهْمُوسَةٌ والزّايَ مَجْهُورَةٌ، وفِيها زِيادَةُ صَفِيرٍ كَما كانَ في الصّادِ، وأيْضًا حَسُنَ إدْغامُ التّاءِ في الذّالِ في قَوْلِهِ: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ لِاتِّفاقِهِما في أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا، وأمّا مَن قَرَأ بِالإظْهارِ وتَرَكَ الإدْغامَ فَذَلِكَ لِاخْتِلافِ المَخارِجِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في هَذِهِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ المُقْسَمِ بِها يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِفاتٍ ثَلاثَةً لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أشْياءَ ثَلاثَةً مُتَبايِنَةً، أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّها صِفاتُ المَلائِكَةِ، وتَقْدِيرُهُ أنَّ المَلائِكَةَ يَقِفُونَ صُفُوفًا. إمّا في السَّماواتِ لِأداءِ العِباداتِ كَما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾[الصافات: ١٦٥] وقِيلَ: إنَّهم يَصِفُّونَ أجْنِحَتَهم في الهَواءِ يَقِفُونَ مُنْتَظِرِينَ وُصُولَ أمْرِ اللَّهِ إلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُقالَ مَعْنى كَوْنِهِمْ صُفُوفًا أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مَرْتَبَةً مُعَيَّنَةً ودَرَجَةً مُعَيَّنَةً في الشَّرَفِ والفَضِيلَةِ أوْ في الذّاتِ والعَلِيَّةِ، وتِلْكَ الدَّرَجَةُ المُرَتَّبَةُ باقِيَةٌ غَيْرُ مُتَغَيِّرَةٍ وذَلِكَ يُشْبِهُ الصُّفُوفَ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ فَقالَ اللَّيْثُ: يُقالُ زَجَرْتُ البَعِيرَ فَأنا أزْجُرُهُ زَجْرًا إذا حَثَثْتَهُ لِيَمْضِيَ،

صفحة ١٠١

وزَجَرْتُ فُلانًا عَنْ سُوءٍ فانْزَجَرَ أيْ نَهَيْتُهُ فانْتَهى، فَعَلى هَذا الزَّجْرِ لِلْبَعِيرِ كالحَثِّ ولِلْإنْسانِ كالنَّهْيِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ في وصْفِ المَلائِكَةِ بِالزَّجْرِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ المَلائِكَةَ الَّذِينَ وُكِّلُوا بِالسَّحابِ يَزْجُرُونَها بِمَعْنى أنَّهم يَأْتُونَ بِها مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ.

الثّانِي: المُرادُ مِنهُ أنَّ المَلائِكَةَ لَهم تَأْثِيراتٌ في قُلُوبِ بَنِي آدَمَ عَلى سَبِيلِ الإلْهاماتِ فَهم يَزْجُرُونَهم عَنِ المَعاصِي زَجْرًا.

الثّالِثُ: لَعَلَّ المَلائِكَةَ أيْضًا يَزْجُرُونَ الشَّياطِينَ عَنِ التَّعَرُّضِ لِبَنِي آدَمَ بِالشَّرِّ والإيذاءِ، وأقُولُ: قَدْ ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ أنَّ المَوْجُوداتِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُؤَثِّرٌ لا يَقْبَلُ الأثَرَ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو أشْرَفُ المَوْجُوداتِ، ومُتَأثِّرٌ لا يُؤَثِّرُ وهم عالَمُ الأجْسامِ وهو أخَسُّ المَوْجُوداتِ، ومَوْجُودٌ يُؤَثِّرُ في شَيْءٍ ويَتَأثَّرُ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ وهو عالَمُ الأرْواحِ، وذَلِكَ لِأنَّها تَقْبَلُ الأثَرَ عَنْ عالَمِ كِبْرِياءِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّها تُؤَثِّرُ في عالَمِ الأجْسامِ، واعْلَمْ أنَّ الجِهَةَ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَقْبَلُ الأثَرَ مِن عالَمِ كِبْرِياءِ اللَّهِ غَيْرُ الجِهَةِ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَسْتَوْلِي عَلى عالَمِ الأجْسامِ وتَقْدِرُ عَلى التَّصَرُّفِ فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ إشارَةٌ إلى الأشْرَفِ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَقْوى عَلى التَّأْثِيرِ في عالَمِ الأجْسامِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ إشارَةٌ إلى وُقُوفِها صَفًّا صَفًّا في مَقامِ العُبُودِيَّةِ والطّاعَةِ بِالخُشُوعِ والخُضُوعِ، وهي الجِهَةُ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَقْبَلُ تِلْكَ الجَواهِرُ القُدْسِيَّةُ أصْنافَ الأنْوارِ الإلَهِيَّةِ والكَمالاتِ الصَّمَدِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾إشارَةٌ إلى تَأْثِيرِ الجَواهِرِ المَلَكِيَّةِ في تَنْوِيرِ الأرْواحِ القُدْسِيَّةِ البَشَرِيَّةِ وإخْراجِها مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ، وذَلِكَ لِما ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأرْواحَ النُّطْقِيَّةَ

« الصفحة السابقة ص ١ من ٤۸ الصفحة التالية »