< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


مِن شَرْحِ القِصَّةِ عَلى مَلَأٍ مِنَ النّاسِ يَقْبُحُ مِنهُ أنْ يَقُولَ عَقِيبَهُ أيُّها العَبْدُ إنِّي فَوَّضْتُ إلَيْكَ خِلافَتِي ونِيابَتِي، وذَلِكَ لِأنَّ ذِكْرَ تِلْكَ القَبائِحِ والأفْعالِ المُنْكَرَةِ يُناسِبُ الزَّجْرَ والحَجْرَ، فَأمّا جَعْلُهُ نائِبًا وخَلِيفَةً لِنَفْسِهِ فَذَلِكَ البَتَّةَ مِمّا لا يَلِيقُ.

وثانِيها: أنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ ذِكْرَ الحُكْمِ عَقِيبَ الوَصْفِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ، فَلَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تِلْكَ الواقِعَةَ القَبِيحَةَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ أشْعَرَ هَذا بِأنَّ المُوجِبَ لِتَفْوِيضِ هَذِهِ الخِلافَةِ هو إتْيانُهُ بِتِلْكَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا فاسِدٌ، أمّا لَوْ ذَكَرَ تِلْكَ القِصَّةَ عَلى وُجُوهٍ تَدُلُّ عَلى بَراءَةِ ساحَتِهِ عَنِ المَعاصِي والذُّنُوبِ، وعَلى شِدَّةِ مُصابَرَتِهِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فَحِينَئِذٍ يُناسِبُ أنْ يَذْكُرَ عَقِيبَهُ ﴿إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾[ص: ٢٦] فَثَبَتَ أنَّ هَذا الَّذِي نَخْتارُهُ أوْلى.

والثّالِثَةُ: وهو أنَّهُ لَمّا كانَتْ مُقَدِّمَةُ الآيَةِ دالَّةً عَلى مَدْحِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَعْظِيمِهِ، ومُؤَخِّرَتُها أيْضًا دالَّةٌ عَلى ذَلِكَ، فَلَوْ كانَتِ الواسِطَةُ دالَّةً عَلى القَبائِحِ والمَعائِبِ لَجَرى مَجْرى أنْ يُقالَ فُلانٌ عَظِيمُ

صفحة ١٦٧

الدَّرَجَةِ عالِي المَرْتَبَةِ في طاعَةِ اللَّهِ، يَقْتُلُ ويَزْنِي ويَسْرِقُ وقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ خَلِيفَةً في أرْضِهِ وصَوْبَ أحْكامِهِ، وكَما أنَّ هَذا الكَلامَ مِمّا لا يَلِيقُ بِالعاقِلِ فَكَذا هَهُنا، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ ذِكْرَ العِشْقِ والسَّعْيِ في القَتْلِ مِن أعْظَمِ أبْوابِ العُيُوبِ.

والرّابِعَةُ: وهو أنَّ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا في هَذِهِ الرِّوايَةِ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَمَنّى أنْ يَحْصُلَ لَهُ في الدِّينِ كَما حَصَلَ لِلْأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ المَنازِلِ العالِيَةِ مِثْلُ ما حَصَلَ لِلْخَلِيلِ مِنَ الإلْقاءِ في النّارِ وحَصَلَ لِلذَّبِيحِ مِنَ الذَّبْحِ وحَصَلَ لِيَعْقُوبَ مِنَ الشَّدائِدِ المُوجِبَةِ لِكَثْرَةِ الثَّوابِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّهم إنَّما وجَدُوا تِلْكَ الدَّرَجاتِ لِأنَّهم لَمّا ابْتُلُوا صَبَرُوا، فَعِنْدَ ذَلِكَ سَألَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ الِابْتِلاءَ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّكَ سَتُبْتَلى في يَوْمِ كَذا، فَبالَغَ في الِاحْتِرازِ ثُمَّ وقَعَتِ الواقِعَةُ، فَنَقُولُ: أوَّلُ حِكايَتِهِمْ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَبْتَلِيهِ بِالبَلاءِ الَّذِي يَزِيدُ في مَنقَبَتِهِ ويُكْمِلُ مَراتِبَ إخْلاصِهِ، فالسَّعْيُ في قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ الحَقِّ والإفْراطُ في العِشْقِ كَيْفَ يَلِيقُ بِهَذِهِ الحالَةِ، ويَثْبُتُ أنَّ الحِكايَةَ الَّتِي ذَكَرُوها يُناقِضُ أوَّلُها آخِرَها.

الخامِسَةُ: أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اسْتَثْنى الَّذِينَ آمَنُوا عَنِ البَغْيِ، فَلَوْ قُلْنا إنَّهُ كانَ مَوْصُوفًا بِالبَغْيِ لَزِمَ أنْ يُقالَ إنَّهُ حَكَمَ بِعَدَمِ الإيمانِ عَلى نَفْسِهِ وذَلِكَ باطِلٌ.

السّادِسَةُ: حَضَرْتُ في بَعْضِ المَجالِسِ وحَضَرَ فِيهِ بَعْضُ أكابِرِ المُلُوكِ وكانَ يُرِيدُ أنْ يَتَعَصَّبَ لِتَقْرِيرِ ذَلِكَ القَوْلِ الفاسِدِ والقِصَّةِ الخَبِيثَةِ لِسَبَبٍ اقْتَضى ذَلِكَ، فَقُلْتُ لَهُ: لا شَكَّ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، ولَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾[الأنعام: ١٢٤] ومَن مَدَحَهُ اللَّهُ تَعالى بِمِثْلِ هَذا المَدْحِ العَظِيمِ لَمْ يَجُزْ لَنا أنْ نُبالِغَ الطَّعْنَ فِيهِ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنَّهُ ما كانَ نَبِيًّا فَلا شَكَّ أنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، ولَقَدْ قالَ ﷺ: «لا تَذْكُرُوا مَوْتاكم إلّا بِخَيْرٍ»ثُمَّ عَلى تَقْدِيرِ أنّا لا نَلْتَفِتُ إلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الدَّلائِلِ، إلّا أنّا نَقُولُ إنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ القِصَّةُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها حَقِيقِيَّةً صَحِيحَةً فَإنَّ رِوايَتَها وذِكْرَها لا يُوجِبُ شَيْئًا مِنَ الثَّوابِ، لِأنَّ إشاعَةَ الفاحِشَةِ إنْ لَمْ تُوجِبِ العِقابَ فَلا أقَلَّ مِن أنْ لا تُوجِبَ الثَّوابَ، وأمّا بِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ الباطِلَةُ فاسِدَةً، فَإنَّ ذاكِرَها يَسْتَحِقُّ أعْظَمَ