< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah054
Al-Qamar (54)
The Moon, makkah, 55 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
بِمُهْلَةٍ، ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَبْعَثُهم في أسْرَعِ مِن لَحْظَةٍ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ:﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾[الصافات: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿صَيْحَةً واحِدَةً﴾[يس: ٢٩] و﴿نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾[الحاقة: ١٣] وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾[القمر: ٤٩] إشارَةٌ إلى الوَحْدانِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ﴾ إلى الحَشْرِ فَكَأنَّهُ بَيَّنَ الأصْلَ الأوَّلَ والأصْلَ الآخِرَ بِالآياتِ. ثامِنُها: الإيجادُ خَلْقٌ والإعْدامُ أمْرٌ، يَعْنِي يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ الغِلاظِ الشِّدادِ أهْلِكُوا وافْعَلُوا فَلا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ولا يُوقِفُونَ الِامْتِثالَ عَلى إعادَةِ الأمْرِ مَرَّةً أُخْرى فَأمْرُهُ مَرَّةً واحِدَةً يَعْقُبُهُ العَدَمُ والهَلاكُ.
وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الإيجادَ الَّذِي هو مِنَ الرَّحْمَةِ بِيَدِهِ، والإهْلاكُ يُسَلِّطُ عَلَيْهِ رُسُلَهُ ومَلائِكَتَهُ، وجَعَلَ المَوْتَ بِيَدِ مَلَكِ المَوْتِ ولَمْ يَجْعَلِ الحَياةَ بِيَدِ مَلَكٍ، وهَذا مُناسِبٌ لِهَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّهُ بَيَّنَ النِّعْمَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ وبَيَّنَ قُدْرَتَهُ عَلى النِّقْمَةِ فَقالَ: ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ﴾ . ﴿وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾[المؤمنون: ١٨] وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ﴾[هود: ٤٠] عِنْدَ العَذابِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا﴾[هود: ٦٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾[هود: ٨٢] وكَما ذَكَرَ في هَذِهِ الحِكاياتِ العَذابَ بِلَفْظِ الأمْرِ، وبَيَّنَ الإهْلاكَ بِهِ كَذَلِكَ هَهُنا ولا سِيَّما إذا نَظَرْتَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الحِكاياتِ ووَجَدْتَها عَيْنَ تِلْكَ الحِكاياتِ يُقَوِّي هَذا القَوْلَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكم فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ. تاسِعُها: في مَعْنى اللَّمْحِ بِالبَصَرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: النَّظَرُ بِالعَيْنِ يُقالُ: لَمَحْتُهُ بِبَصَرِي كَما يُقالُ: نَظَرْتُ إلَيْهِ بِعَيْنِي، والباءُ حِينَئِذٍ كَما يُذْكَرُ في الآياتِ فَيُقالُ: كَتَبْتُ بِالقَلَمِ، واخْتارَ هَذا المِثالَ لِأنَّ النَّظَرَ بِالعَيْنِ أسْرَعُ حَرَكَةٍ تُوجَدُ في الإنْسانِ لِأنَّ العَيْنَ وُجِدَ فِيها أُمُورٌ تُعِينُ عَلى سُرْعَةِ الحَرَكَةِ. أحَدُها: قُرْبُ المُحَرِّكِ مِنها فَإنَّ المُحَرِّكَ العَصَبِيَّةُ ومَنبَتُها الدِّماغُ والعَيْنُ في غايَةِ القُرْبِ مِنهُ. ثانِيها: صِغَرُ حَجْمِها فَإنَّها لا تَعْصى عَلى المُحَرِّكِ ولا تَثْقُلُ عَلَيْهِ بِخِلافِ العِظامِ. ثالِثُها: اسْتِدارَةُ شَكْلِها فَإنَّ دَحْرَجَةَ الكُرَةِ أسْهَلُ مِن دَحْرَجَةِ المُرَبَّعِ والمُثَلَّثِ. رابِعُها: كَوْنُها في رُطُوبَةٍ مَخْلُوقَةٍ في العُضْوِ الَّذِي هو مَوْضِعُها، وهَذِهِ الحِكْمَةُ في أنَّ المَرْئِيّاتِ في غايَةِ الكَثْرَةِ بِخِلافِ المَأْكُولاتِ والمَسْمُوعاتِ والمَقاصِدِ الَّتِي تُقْصَدُ بِالأرْجُلِ والمَذُوقاتِ، فَلَوْلا سُرْعَةُ حَرَكَةِ الآلَةِ الَّتِي بِها إدْراكُ المُبْصَراتِ لَما وصَلَ إلى الكُلِّ إلّا بَعْدَ طُولِ زَمانٍ. وثانِيهِما: اللَّمْحُ بِالبَصَرِ مَعْناهُ البَرْقُ يَخْطَفُ بِالبَصَرِ، ويَمُرُّ بِهِ سَرِيعًا، والباءُ حِينَئِذٍ لِلْإلْصاقِ لا لِلِاسْتِعانَةِ، كَقَوْلِهِ: مَرَرْتُ بِهِ وذَلِكَ في غايَةِ السُّرْعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِالبَصَرِ﴾ فِيهِ فائِدَةٌ وهي غايَةُ السُّرْعَةِ فَإنَّهُ لَوْ قالَ: كَلَمْحِ البَرْقِ حِينَ بَرَقَ ويَبْتَدِئُ حَرَكَتَهُ مِن مَكانٍ ويَنْتَهِي إلى مَكانٍ آخَرَ في أقَلِّ زَمانٍ يُفْرَضُ لَصَحَّ، لَكِنْ مَعَ هَذا فالقَدْرُ الَّذِي مُرُورُهُ يَكُونُ بِالبَصَرِ أقَلُّ مِنَ الَّذِي يَكُونُ مِن مُبْتَداهُ إلى مُنْتَهاهُ، فَقالَ: ﴿كَلَمْحِ﴾ لا كَما قِيلَ: مِنَ المَبْدَأِ إلى المُنْتَهى بَلِ القَدْرُ الَّذِي يَمُرُّ بِالبَصَرِ وهو غايَةُ القِلَّةِ ونِهايَةُ السُّرْعَةِ.
صفحة ٦٩
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكم فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ والأشْياعُ الأشْكالُ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ﴾ تَهْدِيدٌ بِالإهْلاكِ والثّانِي ظاهِرٌ.وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الأمْرَ غَيْرُ مُقْتَصِرٍ عَلى إهْلاكِهِمْ، بَلِ الإهْلاكُ هو العاجِلُ والعَذابُ الآجِلُ الَّذِي هو مُعَدٌّ لَهم عَلى ما فَعَلُوهُ، مَكْتُوبٌ عَلَيْهِمْ، والزُّبُرُ هي كُتُبُ الكَتَبَةِ الَّذِينَ قالَ تَعالى فِيهِمْ: