< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah054
Al-Qamar (54)
The Moon, makkah, 55 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
حَيْثُ يُخَصِّصُهُ بِأمْرِهِ بِزَمانٍ ويَدُلُّ عَلَيْهِ المَنقُولُ والمَعْقُولُ، أمّا المَنقُولُ فَقَوْلُهُ تَعالى:﴿إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾[يس: ٨٢] جَعَلَ (كُنْ) لِتَعَلُّقِ الإرادَةِ، واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن: (كُنْ) لَيْسَ هو الحَرْفَ والكَلِمَةَ الَّتِي مِنَ الكافِ والنُّونِ، لِأنَّ الحُصُولَ أسْرَعُ مِن كَلِمَةِ كُنْ إذا حَمَلْتَها عَلى حَقِيقَةِ اللَّفْظِ، فَإنَّ الكافَ والنُّونَ لا يُوجِدُ مِن مُتَكَلِّمٍ واحِدٍ إلّا التَّرْتِيبَ، فَفي كُنْ لَفْظُ زَمانٍ والكَوْنُ بَعْدُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: (فَيَكُونُ) بِالفاءِ فَإذَنْ لَوْ كانَ المُرادُ بِكُنْ حَقِيقَةَ الحَرْفِ والصَّوْتِ لَكانَ الحُصُولُ بَعْدَهُ بِزَمانٍ ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ الحَرْفانِ مَعًا ولَيْسَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى كَكَلامِنا يَحْتاجُ إلى الزَّمانِ. قُلْنا: قَدْ جَعَلَ لَهُ مَعْنًى غَيْرَ ما نَفْهَمُهُ مِنَ اللَّفْظِ. وأمّا المَعْقُولُ فَلِأنَّ الِاخْتِصاصَ بِالزَّمانِ لَيْسَ لِمَعْنًى وعِلَّةٍ، وإنْ كانَ بَعْضُ النّاسِ ذَهَبَ إلى أنَّ الخَلْقَ والإيجادَ لِحِكْمَةٍ، وقالَ: بِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ الأرْضَ لِتَكُونَ مَقَرَّ النّاسِ أوْ مِثْلَ هَذا مِنَ الحُكْمِ، ولَمْ يِمْكِنْهُ أنْ يَقُولُ: خَلَقَ الأرْضَ في الزَّمانِ المَخْصُوصِ لِتَكُونَ مَقَرًّا لَهم لِأنَّهُ لَوْ خَلَقَها في غَيْرِ ذَلِكَ لَكانَتْ أيْضًا مَقَرًّا لَهم، فَإذَنِ التَّخْصِيصُ لَيْسَ لِمَعْنًى فَهو لِمَحْضِ الحِكْمَةِ، فَهو يُشْبِهُ أمْرَ المَلِكِ الجَبّارِ الَّذِي يَأْمُرُ ولا يُقالُ لَهُ: لِمَ أمَرْتَ ولِمَ فَعَلْتَ ولا يُعْلَمُ مَقْصُودُ الآمِرِ إلّا مِنهُ. رابِعُها: هو أنَّ الأشْياءَ المَخْلُوقَةَ لا تَنْفَكُّ عَنْ أوْصافٍ ثَلاثَةٍ أوْ عَنْ وصْفَيْنِ مُتَقابِلَيْنِ، مِثالُهُ الجِسْمُ لا بُدَّ لَهُ بَعْدَ خَلْقِهِ أنْ يَكُونَ مُتَحَيِّزًا ولا بُدَّ لَهُ مِن أنْ يَكُونَ ساكِنًا أوْ مُتَحَرِّكًا، فَإيجادُهُ أوَّلًا بِخَلْقِهِ وما هو عَلَيْهِ بِأمْرِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾[الأعراف: ٥٤] فَجَعَلَ ما لَها بَعْدَ خَلْقِها مِنَ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ وغَيْرِهِما بِأمْرِهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: «أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى العَقْلُ فَقالَ لَهُ أقْبِلْ فَأقْبَلَ ثُمَّ قالَ لَهُ أدْبِرْ فَأدْبَرَ» جَعَلَ الخَلْقَ في الحَقِيقَةِ والأمْرَ في الوَصْفِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَهُ. خامِسُها: مَخْلُوقاتُ اللَّهِ تَعالى عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في أسْرَعِ ما يَكُونُ كالعَقْلِ وغَيْرِهِ. وثانِيهِما: خَلَقَهُ بِمُهْلَةٍ كالسَّماواتِ والإنْسانِ والحَيَوانِ والنَّباتِ، فالمَخْلُوقُ سَرِيعًا أطْلَقَ عَلَيْهِ الأمْرَ، والمَخْلُوقُ بِمُهْلَةٍ أطْلَقَ عَلَيْهِ الخَلْقَ، وهَذا مِثْلُ الوَجْهِ الثّانِي. سادِسُها: ما قالَهُ. . . الدِّينِ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾[فصلت: ١١] وهو أنَّ الخَلْقَ هو التَّقْدِيرُ والإيجادُ بَعْدَهُ بَعْدِيَّةٌ تَرْتِيبِيَّةٌ لا زَمانِيَّةٌ، فَفي عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّ السَّماواتِ تَكُونُ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ تَقْدِيرِيَّةٌ، فَهو قَدَّرَ خَلْقَهُ كَما عَلِمَ وهو إيجادٌ. فالأوَّلُ خَلْقٌ والثّانِي وهو الإيجادُ أمْرٌ، وأُخِذَ هَذا مِنَ المَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ، قالَ الشّاعِرُ:
وبَعْضُ النّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي
أيْ يُقَدِّرُ ولا يَقْطَعُ ولا يَفْصِلُ، كالخَيّاطِ الَّذِي يُقَدِّرُ أوَّلًا، ويَقْطَعُ ثانِيًا، وهو قَرِيبٌ إلى اللُّغَةِ، لَكِنَّهُ بَعِيدُصفحة ٦٨
الِاسْتِعْمالِ في القُرْآنِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى حَيْثُ ذَكَرَ الخَلْقَ أرادَ الإيجادَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ﴾[لقمان: ٢٥] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾[يس: ٧٧]ولَيْسَ المُرادُ أنّا قَدَّرْنا أنَّهُ سَيُوجَدُ مِنها إلى غَيْرِ ذَلِكَ. سابِعُها: الخَلْقُ هو الإيجادُ ابْتِداءً، والأمْرُ هو ما بِهِ الإعادَةُ، فَإنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ أوَّلًا