< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


صفحة ٧٣

[ سُورَةُ الرَّحْمَنِ ]

سَبْعُونَ وثَمانُ آياتٍ مَكِّيَّةٌ

﷽

﴿الرَّحْمَنُ﴾﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾

﷽

﴿الرَّحْمَنُ﴾﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ اعْلَمْ أنَّ مُناسَبَةَ هَذِهِ السُّورَةِ لِما قَبْلَها بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى افْتَتَحَ السُّورَةَ المُتَقَدِّمَةَ بِذِكْرِ مُعْجِزَةٍ تَدُلُّ عَلى العِزَّةِ والجَبَرُوتِ والهَيْبَةِ، وهو انْشِقاقُ القَمَرِ، فَإنَّ مَن يَقْدِرُ عَلى شَقِّ القَمَرِ يَقْدِرُ عَلى هَدِّ الجِبالِ وقَدِّ الرِّجالِ، وافْتَتَحَ هَذِهِ السُّورَةَ بِذِكْرِ مُعْجِزَةٍ تَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ والرَّحَمُوتِ وهو القُرْآنُ الكَرِيمُ، فَإنَّ شِفاءَ القُلُوبِ بِالصَّفاءِ عَنِ الذُّنُوبِ. ثانِيهِما: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ غَيْرَ مَرَّةٍ، وذَكَرَ في السُّورَةِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾[الرحمن: ١٣] مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لِما بَيَّنّا أنَّ تِلْكَ السُّورَةَ سُورَةُ إظْهارِ الهَيْبَةِ، وهَذِهِ السُّورَةُ سُورَةُ إظْهارِ الرَّحْمَةِ، ثُمَّ إنَّ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ مُناسِبٌ لِآخِرِ ما قَبْلَها. حَيْثُ قالَ في آخِرِ تِلْكَ السُّورَةِ: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾[القمر: ٥٥]، والِاقْتِدارُ إشارَةٌ إلى الهَيْبَةِ والعَظَمَةِ، وقالَ هَهُنا: (الرَّحْمَنُ) أيْ عَزِيزٌ شَدِيدٌ مُنْتَقِمٌ مُقْتَدِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُفّارِ والفُجّارِ، رَحْمَنٌ مُنْعِمٌ غافِرٌ لِلْأبْرارِ. ثُمَّ في التَّفْسِيرِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في لَفْظِ (الرَّحْمَنُ) أبْحاثٌ، ولا يَتَبَيَّنُ بَعْضُها إلّا بَعْدَ البَحْثِ في كَلِمَةِ اللَّهِ فَنَقُولُ:

المَبْحَثُ الأوَّلُ: مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ مَعَ الألِفِ واللّامِ اسْمُ عَلَمٍ لِمُوجِدِ المُمْكِناتِ، وعَلى هَذا فَمِنهم مَن قالَ: (الرَّحْمَنُ) أيْضًا اسْمُ عَلَمٍ لَهُ وتَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾[الإسراء: ١١٠] أيْ أيًّا ما مِنهُما، وجَوَّزَ بَعْضُهم قَوْلَ القائِلِ: يا الرَّحْمَنُ كَما يَجُوزُ يا اللَّهُ وتَمَسَّكَ بِالآيَةِ، وكُلُّ هَذا ضَعِيفٌ، وبَعْضُها أضْعَفُ مِن بَعْضٍ، أمّا قَوْلُهُ: اللَّهُ مَعَ الألِفِ واللّامِ اسْمُ عَلَمٍ فَفِيهِ بَعْضُ الضَّعْفِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَتِ الهَمْزَةُ فِيهِ أصْلِيَّةً، فَلا يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ وصْلِيَّةً، وكانَ يَجِبُ أنْ يُقالَ: خَلَقَ اللَّهُ كَما يُقالُ: عَلِمَ أحْمَدُ وفَهِمَ إسْماعِيلُ، بَلِ الحَقُّ فِيهِ أحَدُ القَوْلَيْنِ: إمّا أنْ نَقُولَ: إلَهٌ أوْ لاهٌ اسْمٌ لِمُوجِدِ المُمْكِناتِ اسْمُ عَلَمٍ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مَعَ الألِفِ واللّامِ كَما في الفَضْلِ، والعَبّاسِ والحَسَنِ والخَلِيلِ، وعَلى هَذا

صفحة ٧٤

فَمَن سَمّى غَيْرَهُ إلَهًا فَهو كَمَن يَسْتَعْمِلُ في مَوْلُودٍ لَهُ فَيَقُولُ لِابْنِهِ مُحَمَّدٌ وأحْمَدُ وإنْ كانَ عَلَمَيْنِ لِغَيْرِهِ قَبْلَهُ في أنَّهُ جائِزٌ لِأنَّ مَن سَمّى ابْنَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الأمْرِ المُطاعِ ما يَمْنَعُ الغَيْرَ عَنِ التَّسْمِيَةِ بِهِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ الِاحْتِجارُ وأخْذُ الِاسْمِ لِنْفَسِهِ أوْ لِوَلَدِهِ، بِخِلافِ المَلِكِ المُطاعِ إذا اسْتَأْثَرَ لِنَفْسِهِ اسْمًا لا يَسْتَجْرِئُ أحَدٌ مِمَّنْ تَحْتَ وِلايَتِهِ ما دامَ لَهُ المُلْكُ أنْ يُسَمِّيَ ولَدَهُ أوْ نَفْسَهُ بِذَلِكَ الِاسْمِ خُصُوصًا مَن يَكُونُ مَمْلُوكًا لا يُمْكِنُهُ أنْ يُسَمِّيَ نَفْسَهُ بِاسْمِ المَلِكِ ولا أنْ يُسَمِّيَ ولَدَهُ بِهِ، واللَّهُ تَعالى مَلِكٌ مُطاعٌ، وكُلُّ مَن عَداهُ تَحْتَ أمْرِهِ، فَإذا اسْتَأْثَرَ لِنَفْسِهِ اسْمًا لا يَجُوزُ لِلْعَبِيدِ أنْ يَتَسَمَّوْا بِذَلِكَ الِاسْمِ، فَمَن يُسَمِّي فَقَدْ تَعَدّى فالمُشْرِكُونَ في التَّسْمِيَةِ مُتَعَدُّونَ، وفي المَعْنى ضالُّونَ، وإمّا أنْ نَقُولَ: إلَهٌ أوْ لاهٌ اسْمٌ لِمَن يُعْبَدُ، والألِفُ واللّامُ لِلتَّعْرِيفِ، ولَمّا امْتَنَعَ المَعْنى عَنْ غَيْرِ اللَّهِ امْتَنَعَ الِاسْمُ، فَإنْ قِيلَ: فَلَوْ سَمّى أحَدٌ ابْنَهُ بِهِ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ ؟ قُلْنا: لا يَجُوزُ لِأنَّهُ يُوهِمُ أنَّهُ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِذَلِكَ الِابْنِ لِمَعْنًى لا لِكَوْنِهِ عَلَمًا، فَإنْ قِيلَ: تَسْمِيَةُ الواحِدِ بِالكَرِيمِ والوَدُودِ جائِزَةٌ. قُلْنا: كُلُّ ما يَكُونُ حَمْلُهُ عَلى العَلَمِ وعَلى اسْمٍ لِمَعْنًى مَلْحُوظٍ في اللَّفْظِ الذِّكْرِيِّ لا

« الصفحة السابقة ص ١ من ٤۹ الصفحة التالية »