< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah054
Al-Qamar (54)
The Moon, makkah, 55 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
هو: مَتى يَكُونُ، بَلْ يُفَوِّضُ الأمْرَ إلى اللَّهِ، وأمّا الكافِرُ فَغَيْرُ مُصَدِّقٍ فَيَقُولُ: مَتى يَكُونُ العَذابُ ؟ فَيُقالُ لَهُ: اصْبِرْ فَإنَّهُ آتٍ يَوْمَ القِيامَةِ، ولِهَذا كانُوا يَقُولُونَ:﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾[ص: ١٦] وقالَ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾[الحج: ٤٧] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أدْهى مِن أيِّ شَيْءٍ ؟ نَقُولُ: يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ما مَضى مِن أنْواعِ عَذابِ الدُّنْيا.
ثانِيهِما: أدْهى الدَّواهِي فَلا داهِيَةَ مِثْلُها.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأمَرُّ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: هو مُبالَغَةٌ مِنَ المُرِّ وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا عَذابِي﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ وعَلى هَذا فَأدْهى أيْ: أشَدُّ وأمَرُّ أيْ آلَمُ، والفَرْقُ بَيْنَ الشَّدِيدِ والألِيمِ أنَّ الشَّدِيدَ يَكُونُ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يُطِيقُهُ أحَدٌ لِقُوَّتِهِ ولا يَدْفَعُهُ أحَدٌ بِقُوَّتِهِ، مِثالُهُ ضَعِيفٌ أُلْقِيَ في ماءٍ يَغْلِبُهُ أوْ نارٍ لا يَقْدِرُ عَلى الخَلاصِ مِنها، وقَوِيٌّ أُلْقِيَ في بَحْرٍ أوْ نارٍ عَظِيمَةٍ يَسْتَوِيانِ في الألَمِ والعَذابِ، ويَتَساوَيانِ في الإيلامِ، لَكِنْ يَفْتَرِقانِ في الشِّدَّةِ فَإنَّ نَجاةَ الضَّعِيفِ مِنَ الماءِ الضَّعِيفِ بِإعانَةِ مُعِينٍ مُمْكِنٌ، ونَجاةَ القَوِيِّ مِنَ البَحْرِ العَظِيمِ غَيْرُ مُمْكِنٍ.
ثانِيهِما: أمَرُّ مُبالِغَةٌ في المارِّ إذْ هي أكْثَرُ مُرُورًا بِهِمْ إشارَةً إلى الدَّوامِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: أشُدُّ وأدْوَمُ، وهَذا مُخْتَصٌّ بِعَذابِ الآخِرَةِ، فَإنَّ عَذابَ الدُّنْيا إنِ اشْتَدَّ قُتِلَ المُعَذَّبُ وزالَ فَلا يَدُومُ، وإنْ دامَ بِحَيْثُ لا يُقْتَلُ فَلا يَكُونُ شَدِيدًا.
ثالِثُها: أنَّهُ المَرِيرُ وهو مِنَ المِرَّةِ الَّتِي هي الشِّدَّةُ، وعَلى هَذا فَإمّا أنْ يَكُونَ الكَلامُ كَما يَقُولُ القائِلُ: فُلانٌ نَحِيفٌ نَحِيلٌ وقَوِيٌّ شَدِيدٌ، فَيَأْتِي بِلَفْظَيْنِ مُتَرادِفَيْنِ إشارَةً إلى التَّأْكِيدِ وهو ضَعِيفٌ، وإمّا أنْ يَكُونَ ”أدْهى“ مُبالَغَةً مِنَ الدّاهِيَةِ الَّتِي هي اسْمُ الفاعِلِ مِن دَهاهُ أمْرُ كَذا إذا أصابَهُ، وهو أمْرٌ صَعْبٌ لِأنَّ الدّاهِيَةَ صارَتْ كالِاسْمِ المَوْضُوعِ لِلشَّدِيدِ عَلى وزْنِ الباطِيَةِ والسّائِبَةِ الَّتِي لا تَكُونُ مِن أسْماءِ الفاعِلِينَ، وإنْ كانَتِ الدّاهِيَةُ أصْلُها ذَلِكَ، غَيْرَ أنَّها اسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ وكُتِبَتْ في أبْوابِها وعَلى هَذا يَكُونُ مَعْناهُ ألْزَمَ وأضْيَقَ، أيْ هي بِحَيْثُ لا تُدْفَعُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ٦٢
الأُولى: فِيمَن نَزَلَتِ الآيَةُ في حَقِّهِمْ ؟ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّها نازِلَةٌ في القَدَرِيَّةِ، رَوى الواحِدِيُّ في تَفْسِيرِهِ قالَ: سَمِعْتُ الشَّيْخَ رَضِيَّ الدِّينِ المُؤَيِّدَ الطُّوسِيَّ بِنَيْسابُورَ قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الجَبّارِ قالَ: أخْبَرَنا الواحِدِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو القاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرّاجُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ الكَعْبِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا حَمْدانُ بْنُ صالِحٍ الأشَجُّ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي داوُدَ، حَدَّثَنا سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ زِيادِ بْنِ إسْماعِيلَ المَخْزُومِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبّادِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «جاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُخاصِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في القَدَرِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [ القَمَرِ»: ٤٩ ] وكَذَلِكَ نُقِلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ.ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ القَدَرِيَّةُ» “ وهُمُ المُجْرِمُونَ الَّذِينَ سَمّاهُمُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ وكَثُرَتِ الأحادِيثُ في القَدَرِيَّةِ، وفِيها مَباحِثُ:
الأوَّلُ: في مَعْنى القَدَرِيَّةِ الَّذِينَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: نَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ، فَنَقُولُ: كُلُّ فَرِيقٍ في خَلْقِ الأعْمالِ يَذْهَبُ إلى أنَّ القَدَرِيَّ خَصْمُهُ، فالجَبْرِيُّ يَقُولُ: القَدَرِيُّ مَن يَقُولُ: الطّاعَةُ والمَعْصِيَةُ لَيْسَتا بِخَلْقِ اللَّهِ وقَضائِهِ وقَدَرِهِ، فَهم قَدَرِيَّةٌ لِأنَّهم يُنْكِرُونَ القَدَرَ. والمُعْتَزِلِيُّ يَقُولُ: القَدَرِيُّ