< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah054
Al-Qamar (54)
The Moon, makkah, 55 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
فَجازَ وصْفُهُ بِالمُنْكَرِ؛ نَظَرًا إلى اللَّفْظِ فَعادَ إلى الوَجْهِ الأوَّلِ.
وثانِيهِما: أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أحَدُ الخَبَرَيْنِ مَعْرِفَةً والآخَرُ نَكِرَةً، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾[البروج: ١٤ - ١٦] وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ أفْرَدَهُ لِمُجاوَرَتِهِ ”جَمِيعٌ“، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ مَعْنى: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ أنْ جَمِيعًا بِمَعْنى كُلِّ واحِدٍ كَأنَّهُ قالَ: نَحْنُ كُلُّ واحِدٍ مِنّا مُنْتَصِرٌ، كَما تَقُولُ: هم جَمِيعُهم أقْوِياءُ بِمَعْنى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم قَوِيٌّ، وهم كُلُّهم عُلَماءُ أيْ كُلُّ واحِدٍ عالِمٌ، فَتَرَكَ الجَمْعَ واخْتارَ الإفْرادَ لِعَوْدِ الخَبَرِ إلى كُلِّ واحِدٍ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: كُلُّ واحِدٍ مِنّا يَغْلِبُ مُحَمَّدًا ﷺ كَما قالَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ، وهَذا فِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ وهو أنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ كُلَّ واحِدٍ غالِبٌ، واللَّهُ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِأجْمَعِهِمْ بِقَوْلِهِ:
﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وهو أنَّهُمُ ادَّعَوُا القُوَّةَ العامَّةَ بِحَيْثُ يَغْلِبُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مُحَمَّدًا ﷺ، واللَّهُ تَعالى بَيَّنَ ضَعْفَهُمُ الظّاهِرَ الَّذِي يَعُمُّهم جَمِيعَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ سُؤالٌ وهو أنَّهُ قالَ: ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: يُوَلُّونَ الأدْبارَ. وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾[آل عمران: ١١١] وقالَ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾[الأحزاب: ١٥] وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾[الأنفال: ١٥] فَكَيْفَ تَصْحِيحُ الإفْرادِ وما الفَرْقُ بَيْنَ المَواضِعِ ؟ نَقُولُ: أمّا التَّصْحِيحُ فَظاهِرٌ؛ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: فَعَلُوا كَقَوْلِهِ فَعَلَ هَذا وفَعَلَ ذاكَ وفَعَلَ الآخَرُ. قالُوا: واوُ الجَمْعِ تَنُوبُ مَنابَ الواواتِ الَّتِي في العَطْفِ، وقَوْلُهُ: ﴿يُوَلُّونَ﴾ بِمَثابَةِ يُوَلِّي هَذا الدُّبُرَ، ويُولِّي ذاكَ ويُولِّي الآخَرُ أيْ: كُلُّ واحِدٍ يُوَلِّي دُبُرَهُ، وأمّا الفَرْقُ فَنَقُولُ: اقْتِضاءُ أواخِرِ الآياتِ حُسْنَ الإفْرادِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ إفْرادُهُ إشارَةٌ إلى أنَّهم في التَّوْلِيَةِ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، فَلا يَتَخَلَّفُ أحَدٌ عَنِ الجَمْعِ، ولا يَثْبُتُ أحَدٌ لِلزَّحْفِ فَهم كانُوا في التَّوْلِيَةِ كَدُبُرٍ واحِدٍ، وأمّا في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ يُوجَدُ بِهِ يَنْبَغِي أنْ يَثْبُتَ ولا يُوَلِّيَ دُبُرَهُ، فَلَيْسَ المَنهِيُّ هُناكَ تَوْلِيَتَهم بِأجْمَعِهِمْ بَلِ المَنهِيُّ أنْ يُوَلِّيَ واحِدٌ مِنهم دُبُرَهُ، فَكُلُّ أحَدٍ مَنهِيٌّ عَنْ تَوْلِيَةِ دُبُرِهِ، فَجَعَلَ كُلَّ واحِدٍ بِرَأْسِهِ في الخِطابِ ثُمَّ جَمَعَ الفِعْلَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ﴾ ولا يَتِمُّ إلّا بِقَوْلِهِ: (الأدْبارَ) وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ﴾[لأحزاب: ١٥] أيْ: كُلُّ واحِدٍ قالَ: أنا أثْبُتُ ولا أُوَلِّي دُبُرِي، وأمّا في قَوْلِهِ: ﴿لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ﴾[الحشر: ١٢]
صفحة ٦١
فَإنَّ المُرادَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ وعَدُوا اليَهُودَ وهم مُتَفَرِّقُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى﴾[الحشر: ١٤]، وأمّا في هَذا المَوْضِعِ فَهم كانُوا يَدًا واحِدَةً عَلى مَن سِواهم.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ إشارَةً إلى أنَّ الأمْرَ غَيْرَ مُقْتَصِرٍ عَلى انْهِزامِهِمْ وإدْبارِهِمْ بَلِ الأمْرُ أعْظَمُ مِنهُ، فَإنَّ السّاعَةَ مَوْعِدُهم فَإنَّهُ ذَكَرَ ما يُصِيبُهم في الدُّنْيا مِنَ الدُّبُرِ، ثُمَّ بَيَّنَ ما هو مِنهُ عَلى طَرِيقَةِ الإصْرارِ، هَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، والظّاهِرُ أنَّ الإنْذارَ بِالسّاعَةِ عامٌّ لِكُلِّ مَن تَقَدَّمَ، كَأنَّهُ قالَ: أهْلَكْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلِكَ وأصَرُّوا، وقَوْمُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسُوا بِخَيْرٍ مِنهم فَيُصِيبُهم ما أصابَهم إنْ أصَرُّوا، ثُمَّ إنَّ عَذابَ الدُّنْيا لَيْسَ لِإتْمامِ المُجازاةِ فَإتْمامُ المُجازاةِ بِالألِيمِ الدّائِمِ. وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في كَوْنِ اخْتِصاصِ السّاعَةِ مَوْعِدَهم مَعَ أنَّها مَوْعِدُ كُلِّ أحَدٍ ؟ نَقُولُ: المَوْعِدُ الزَّمانُ الَّذِي فِيهِ الوَعْدُ والوَعِيدُ، والمُؤْمِنُ مَوْعُودٌ بِالخَيْرِ ومَأْمُورٌ بِالصَّبْرِ فَلا يَقُولُ