< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


اليَوْمِ، فَيَكُونُ النُّقْصانُ وارِدًا عَلى الكُلِّ، وكانَتِ النّاقَةُ تَشْرَبُ الماءَ بِأسْرِهِ وهَذا أيْضًا ظاهِرٌ ومَنقُولٌ، والمَشْهُورُ هُنا الوَجْهُ الأوْسَطُ، ونَقُولُ: إنَّ قَوْمًا كانُوا يَكْتَفُونَ بِلَبَنِها يَوْمَ وُرُودِها الماءَ، والكُلُّ مُمْكِنٌ ولَمْ يَرِدْ في شَيْءٍ خَبَرٌ مُتَواتِرٌ.

والثّالِثُ: قِطَعٌ وهو مِنَ القِسْمَةِ؛ لِأنَّها مُثْبَتَةٌ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى أمّا كَيْفِيَّةُ القِسْمَةِ والسَّبَبُ فَلا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ مِمّا يُؤَيِّدُ الوَجْهَ الثّالِثَ أيْ: كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ لِلْقَوْمِ بِأسْرِهِمْ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ لِبَيانِ كَوْنِ الشِّرْبِ مُحْتَضَرًا لِلْقَوْمِ أوِ النّاقَةِ فَهو مَعْلُومٌ؛ لَأنَّ الماءَ ما كانَ يُتْرَكُ مِن غَيْرِ حُضُورٍ، وإنْ كانَ لِبَيانِ أنَّهُ تَحْضُرُهُ النّاقَةُ يَوْمًا والقَوْمُ يَوْمًا فَلا دَلالَةَ في اللَّفْظِ عَلَيْهِ، وأمّا إذا كانَتِ العادَةُ قَبْلَ النّاقَةِ عَلى أنْ يَرِدَ الماءَ قَوْمٌ في يَوْمٍ وآخَرُونَ في يَوْمٍ آخَرَ، ثُمَّ لَمّا خُلِقَتِ النّاقَةُ كانَتْ تَنْقُصُ شِرْبَ البَعْضِ، وتَتْرُكُ شِرْبَ الباقِينَ مِن غَيْرِ نُقْصانٍ، فَقالَ: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ كم أيُّها القَوْمُ فَرِدُوا كُلَّ يَوْمٍ الماءَ، وكُلُّ شِرْبٍ ناقِصٍ تَقاسَمُوهُ، وكُلُّ شِرْبٍ كامِلٍ تَقاسَمُوهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ﴾ نِداءَ المُسْتَغِيثِ كَأنَّهم قالُوا: يا لَقُدارٍ لِلْقَوْمِ، كَما يَقُولُ القائِلُ بِاللَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ وصاحِبُهم قُدارٌ، وكانَ أشْجَعَ وأهْجَمَ عَلى الأُمُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ رَئِيسَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: تَعاطى آلَةَ العَقْرِ فَعَقَرَ.

الثّانِي: تَعاطى النّاقَةَ فَعَقَرَها وهو أضْعَفُ.

الثّالِثُ: التَّعاطِي يُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ الإقْدامُ عَلى الفِعْلِ العَظِيمِ، والتَّحْقِيقُ هو أنَّ الفِعْلَ العَظِيمَ يَقْدُمُ كُلُّ أحَدٍ فِيهِ صاحِبَهُ، ويُبْرِئُ نَفْسَهُ مِنهُ فَمَن يَقْبَلُهُ ويُقْدِمُ عَلَيْهِ، يُقالُ: تَعاطاهُ كَأنَّهُ كانَ فِيهِ تَدافُعٌ فَأخَذَهُ هو بَعْدَ التَّدافُعِ.

الرّابِعُ: أنَّ القَوْمَ جَعَلُوا لَهُ عَلى عَمَلِهِ جُعْلًا فَتَعاطاهُ وعَقَرَ النّاقَةَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ وتَفْسِيرُهُ غَيْرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ذَكَرَها في ثَلاثَةِ مَواضِعَ ذَكَرَها في حِكايَةِ نُوحٍ بَعْدَ بَيانِ العَذابِ، وذَكَرَها هاهُنا قَبْلَ بَيانِ العَذابِ، وذَكَرَها في حِكايَةِ عادٍ قَبْلَ بَيانِهِ، فَحَيْثُ ذَكَرَ قَبْلَ بَيانِ العَذابِ ذَكَرَها لِلْبَيانِ كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ فُلانًا أيَّ ضَرْبٍ وأيَّما ضَرْبٍ، وتَقُولُ: ضَرَبْتُهُ وكَيْفَ ضَرَبْتُهُ أيْ قَوِيًّا، وفي حِكايَةِ عادٍ ذَكَرَها مَرَّتَيْنِ لِلْبَيانِ والِاسْتِفْهامِ، وقَدْ ذَكَرْنا السَّبَبَ فِيهِ، فَفي حِكايَةِ نُوحٍ ذَكَرَ ”الَّذِي“ لِلتَّعْظِيمِ وفي حِكايَةِ ثَمُودَ ذَكَرَ ”الَّذِي“ لِلْبَيانِ؛ لِأنَّ عَذابَ قَوْمِ نُوحٍ كانَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ عامٍّ، وهو الطُّوفانُ الَّذِي عَمَّ العالَمَ ولا كَذَلِكَ عَذابُ قَوْمِ هُودٍ فَإنَّهُ كانَ مُخْتَصًّا بِهِمْ.

صفحة ٥٠

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ سَمِعُوا صَيْحَةً فَماتُوا وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: كانَ في قَوْلِهِ: (فَكانُوا) مِن أيِّ الأقْسامِ ؟ نَقُولُ: قالَ النُّحاةُ: تَجِيءُ تارَةً بِمَعْنى صارَ وتَمَسَّكُوا بِقَوْلِ القائِلِ:

بِتَيْماءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأنَّها قَطا الحَزْنِ قَدْ كانَتْ فِراخًا بُيُوضُها

بِمَعْنى صارَتْ فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: في هَذا المَوْضِعِ إنَّها بِمَعْنى صارَ، والتَّحْقِيقُ أنَّ ”كانَ“ لا تُخالِفُ غَيْرَها مِنَ الأفْعالِ الماضِيَةِ اللّازِمَةِ الَّتِي لا تَتَعَدّى، والَّذِي يُقالُ: إنْ كانَتْ تامَّةً وناقِصَةً وزائِدَةً وبِمَعْنى صارَ فَلَيْسَ ذَلِكَ يُوجِبُ اخْتِلافَ أحْوالِها اخْتِلافًا يُفارِقُ غَيْرَها مِنَ الأفْعالِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ كانَ بِمَعْنى وُجِدَ أوْ حَصَلَ أوْ تَحَقَّقَ غَيْرَ أنَّ الَّذِي وُجِدَ تارَةً يَكُونُ حَقِيقَةَ الشَّيْءِ وأُخْرى صِفَةً مِن صِفاتِهِ، فَإذا قُلْتَ: كانَتِ الكائِنَةُ وكُنْ فَيَكُونُ جَعَلْتَ الوُجُودَ والحُصُولَ لِلشَّيْءِ في نَفْسِهِ فَكَأنَّكَ قُلْتَ: وجَدْتُ الحَقِيقَةَ الكائِنَةَ، وكُنْ أيِ احْصُلْ فَيُوجَدُ في نَفْسِهِ، وإذا قُلْتَ: كانَ زَيْدٌ عالِمًا أيْ: وُجِدَ عِلْمُ زَيْدٍ، غَيْرَ أنّا نَقُولُ في وُجِدَ