< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


ما لِلْفِعْلِ مِنَ الأعْمالِ لِغَلَبَةِ الِاسْمِيَّةِ وفِقْدانِ الفِعْلِ بِالماضِي، وإذا كانَ الفِعْلُ حاضِرًا أوْ مُتَوَقَّعًا في الِاسْتِقْبالِ فَلَهُ وُجُودٌ حَقِيقَةً أوْ في التَّوَقُّعِ، فَتَجُوزُ الإضافَةُ لِصُورَةِ الِاسْمِ، والإعْمالُ لِتَوَقُّعِ الفِعْلِ أوْ لِوُجُودِهِ، ولَكِنَّ الإعْمالَ أوْلى؛ لِأنَّ في الِاسْتِقْبالِ ”لَنْ يَضْرِبَ“ يُفِيدُ ”لا يَكُونُ ضارِبًا“ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُضافَ، أمّا الإعْمالُ فَهو يُنْبِئُ عَنْ تَوَقُّعِ الفِعْلِ أوْ وُجُودِهِ؛ لِأنَّهُ إذا قالَ: زَيْدٌ ضارِبٌ عَمْرًا فالسّامِعُ إذا سَمِعَ بِضَرْبِ عَمْرٍو عَلِمَ أنَّهُ يَفْعَلُ فَإذا لَمْ يَرَهُ في الحالِ يَتَوَقَّعُهُ في الِاسْتِقْبالِ غَيْرَ أنَّ الإضافَةَ تُفِيدُ تَخْفِيفًا حَيْثُ سَقَطَ بِها التَّنْوِينُ، والنُّونُ فَتُخْتارُ لَفْظًا لا مَعْنًى، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ:﴿مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّخْفِيفِ فِيهِ تَحْقِيقُ الأمْرِ وتَقْدِيرُهُ كَأنَّهُ وقَعَ وكانَ بِخِلافِ ما لَوْ قِيلَ: إنّا نُرْسِلُ النّاقَةَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”فِتْنَةً“ مَفْعُولٌ لَهُ فَتَكُونُ الفِتْنَةُ هي المَقْصُودَةَ مِنَ الإرْسالِ، لَكِنَّ المَقْصُودَ مِنهُ تَصْدِيقُ النَّبِيِّ ﷺ، وهو صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ مُعْجِزَةٌ فَما التَّحْقِيقُ في تَفْسِيرِهِ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ المُعْجِزَةَ فِتْنَةٌ؛ لِأنَّ بِها يَتَمَيَّزُ حالُ مَن يُثابُ مِمَّنْ يُعَذَّبُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بِالمُعْجِزَةِ لا يُعَذِّبُ الكُفّارَ إلّا إذا كانَ يُنْبِئُهم بِصِدْقِهِ مِن حَيْثُ نُبُوَّتِهِ، فالمُعْجِزَةُ ابْتِلاءٌ لِأنَّها تَصْدِيقٌ وبَعْدَ التَّصْدِيقِ يَتَمَيَّزُ المُصَدِّقُ عَنِ المُكَذِّبِ.

وثانِيهِما: وهو أدَقُّ، أنَّ إخْراجَ النّاقَةِ مِنَ الصَّخْرَةِ كانَ مُعْجِزَةً، وإرْسالَها إلَيْهِمْ ودَوَرانَها فِيما بَيْنَهم، وقِسْمَةَ الماءِ كانَ فِتْنَةً؛ ولِهَذا قالَ: ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً﴾ ولَمْ يَقُلْ: إنّا مُخْرِجُو النّاقَةِ فِتْنَةً، والتَّحْقِيقُ في الفِتْنَةِ والِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا، وإلَيْهِ إشارَةٌ خَفِيَّةٌ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ ولِلْهِدايَةِ طُرُقٌ، مِنها ما يَكُونُ عَلى وجْهٍ يَكُونُ لِلْإنْسانِ مَدْخَلٌ فِيهِ بِالكَسْبِ، مِثالُهُ يَخْلُقُ شَيْئًا دالًّا، ويَقَعُ تَفَكُّرُ الإنْسانِ فِيهِ ونَظَرُهُ إلَيْهِ عَلى وجْهٍ يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ الحَقُّ فَيَتَّبِعُهُ، وتارَةً يُلْجِئُهُ إلَيْهِ ابْتِداءً، ويَصُونُهُ عَنِ الخَطَأِ مِن صِغَرِهِ فَإظْهارُ المُعْجِزِ عَلى يَدِ الرَّسُولِ أمْرٌ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ اهْتِداءً مَعَ الكَسْبِ وهِدايَةُ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ كَسْبٍ مِنهم، بَلْ يَخْلُقُ فِيهِمْ عُلُومًا غَيْرَ كَسَبِيَّةٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً﴾ إشارَةٌ إلَيْهِمْ، ولِهَذا قالَ لَهم: ومَعْناهُ عَلى وجْهٍ يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ فِتْنَةً وعَلى هَذا كُلُّ مَن كانَتْ مُعْجِزَتُهُ أظْهَرَ يَكُونُ ثَوابُ قَوْمِهِ أقَلَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ أيْ فارْتَقِبْهم بِالعَذابِ، ولَمْ يَقُلْ: فارْتَقِبِ العَذابَ إشارَةً إلى حُسْنِ الأدَبِ والِاجْتِنابِ عَنْ طَلَبِ الشَّرِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْطَبِرْ﴾ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ بِمَعْنى إنْ كانُوا يُؤْذُونَكَ فَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمُ العَذابَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى قُرْبِ الوَقْتِ إلى أمْرِهِما، والأمْرُ بِحَيْثُ يَعْجِزُ عَنِ الصَّبْرِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾أيْ: مَقْسُومٌ، وصْفٌ بِالمَصْدَرِ مُرادٌ بِهِ المُشْتَقُّ مِنهُ كَقَوْلِهِ: ”ماءٌ مِلْحٌ“، و”قَوْلٌ زُورٌ“ وفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ المُبالَغَةِ، يُقالُ لِلْكَرِيمِ: كَرَمٌ كَأنَّهُ هو عَيْنُ الكَرَمِ، ويُقالُ: فُلانٌ لُطْفٌ مَحْضٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ القِسْمَةُ وقَعَتْ بَيْنَهُما؛ لِأنَّ النّاقَةَ كانَتْ عَظِيمَةً وكانَتْ حَيَواناتُ القَوْمِ تَنْفِرُ مِنها ولا تَرِدُ الماءَ وهي عَلى الماءِ، فَصَعُبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَجُعِلَ الماءُ بَيْنَهُما؛ يَوْمًا لِلنّاقَةِ ويَوْمًا لِلْقَوْمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِقِلَّةِ الماءِ، فَشِرْبُهُ يَوْمًا لِلنّاقَةِ ويَوْمًا لِلْحَيَواناتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الماءُ كانَ بَيْنَهم قِسْمَةً يَوْمًا لِقَوْمٍ ويَوْمًا لِقَوْمٍ، ولَمّا خَلَقَ اللَّهُ النّاقَةَ كانَتْ تَرِدُ الماءَ يَوْمًا يَوْمًا، فَكانَ الَّذِينَ لَهُمُ الماءُ في غَيْرِ يَوْمِ وُرُودِها يَقُولُونَ: الماءُ كُلُّهُ لَنا في هَذا اليَوْمِ ويَوْمُكم كانَ أمْسِ، والنّاقَةُ ما أخَّرَتْ شَيْئًا فَلا نُمَكِّنُكم مِنَ الوُرُودِ أيْضًا في هَذا