< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


كانَ سُلْطانًا شَدِيدَ القَهْرِ عَظِيمَ القُوَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ إنَّهُ مَعَ القُدْرَةِ الشَّدِيدَةِ عَلى الِانْتِقامِ ومَعَ حُصُولِ الفَزَعِ في قَلْبِهِ عَفا عَنْهم ولَمْ يَقُلْ لَهم شَيْئًا قُرْبَ الأمْرِ مِن أنْ يَدْخُلَ في قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ العُجْبِ، فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ وأنابَ إلى اللَّهِ، واعْتَرَفَ بِأنَّ إقْدامَهُ عَلى ذَلِكَ الخَيْرِ ما كانَ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وتَجاوَزَ عَنْهُ بِسَبَبِ طَرَيانِ ذَلِكَ الخاطِرِ.

الثّانِي: لَعَلَّهُ هَمَّ بِإيذاءِ القَوْمِ، ثُمَّ قالَ: إنَّهُ لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ قَصَدُوا الشَّرَّ فَعَفا عَنْهم ثُمَّ اسْتَغْفَرْ عَنْ ذَلِكَ الهَمِّ.

الثّالِثُ: لَعَلَّ القَوْمَ تابُوا إلى اللَّهِ وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ لَهم لِأجْلِ أنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهم فاسْتَغْفَرَ وتَضَرَّعَ إلى اللَّهِ، فَغَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهم بِسَبَبِ شَفاعَتِهِ ودُعائِهِ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ مُحْتَمَلَةٌ ظاهِرَةٌ، والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِن أمْثالِ هَذِهِ الوُجُوهِ، وإذا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِما ذَكَرْناهُ ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ ولا ظَنِّيٌّ عَلى التِزامِ المُنْكَراتِ الَّتِي يَذْكُرُونَها، فَما الَّذِي يَحْمِلُنا عَلى التِزامِها والقَوْلِ بِها، والَّذِي يُؤَكِّدُ أنَّ الَّذِي ذَكَرْناهُ أقْرَبُ وأقْوى أنْ يُقالَ خَتَمَ اللَّهُ هَذِهِ القِصَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ ومِثْلُ هَذِهِ الخاتِمَةِ إنَّما تَحْسُنُ مِن حَقِّ مَن صَدَرَ مِنهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ في الخِدْمَةِ والطّاعَةِ، وتَحَمَّلَ أنْواعًا مِنَ الشَّدائِدِ في المُوافَقَةِ والِانْقِيادِ، أمّا إذا كانَ المَذْكُورُ السّابِقُ هو الإقْدامَ عَلى الجُرْمِ والذَّنْبِ فَإنَّ مِثْلَ هَذِهِ الخاتِمَةِ لا تَلِيقُ بِهِ، قالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ؛ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أُتِيَ بِمِنبَرٍ رَفِيعٍ ويُوضَعُ في الجَنَّةِ، ويُقالُ يا داوُدُ مَجِّدْنِي بِذَلِكَ الصَّوْتِ الحَسَنِ الرَّخِيمِ الَّذِي كُنْتَ تُمَجِّدُنِي بِهِ في الدُّنْيا واللَّهُ أعْلَمُ، بَقِيَ هَهُنا مَباحِثُ:

الأوَّلُ: قُرِئَ فَتَناهُ وفَتَنّاهُ عَلى أنَّ الألِفَ ضَمِيرُ المَلَكَيْنِ.

الثّانِي: المَشْهُورُ أنَّ الِاسْتِغْفارَ إنَّما كانَ بِسَبَبِ قِصَّةِ النَّعْجَةِ والنِّعاجِ، وقِيلَ أيْضًا إنَّما كانَ بِسَبَبِ أنَّهُ حَكَمَ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ قَبْلَ أنْ سَمِعَ كَلامَ الثّانِي وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ.

الثّالِثُ: قَوْلُهُ؛ ﴿وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الرُّكُوعِ، وأمّا السُّجُودُ فَقَدْ ثَبَتَ بِالأخْبارِ وكَذَلِكَ البُكاءُ الشَّدِيدُ في مُدَّةِ أرْبَعِينَ يَوْمًا ثَبَتَ بِالأخْبارِ.

الرّابِعُ: أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ هَذا المَوْضِعَ لَيْسَ فِيهِ سَجْدَةُ التِّلاوَةِ، قالَ: لِأنَّهُ تَوْبَةُ نَبِيٍّ فَلا تُوجِبُ سَجْدَةَ التِّلاوَةِ.

الخامِسُ: اسْتَشْهَدَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَذِهِ الآيَةِ في سُجُودِ التِّلاوَةِ عَلى أنَّ الرُّكُوعَ يَقُومُ مَقامَ السُّجُودِ.

صفحة ١٧٤

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ الكَلامَ في شَرْحِ القِصَّةِ أرْدَفَها بِبَيانِ أنَّهُ تَعالى فَوَّضَ إلى داوُدَ خِلافَةَ الأرْضِ، وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ القَوْلِ المَشْهُورِ في تِلْكَ القِصَّةِ، لِأنَّ مِنَ البَعِيدِ جِدًّا أنْ يُوصَفَ الرَّجُلُ بِكَوْنِهِ ساعِيًا في سَفْكِ دِماءِ المُسْلِمِينَ، راغِبًا في انْتِزاعِ أزْواجِهِمْ مِنهم، ثُمَّ يَذْكُرُ عَقِيبَهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَوَّضَ خِلافَةَ الأرْضِ إلَيْهِ، ثُمَّ نَقُولُ في تَفْسِيرِ كَوْنِهِ خَلِيفَةً وجْهانِ:

الأوَّلُ: جَعَلْناكَ تَخْلُفُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، وفي سِياسَةِ النّاسِ لِأنَّ خَلِيفَةَ الرَّجُلِ مَن يَخْلُفُهُ، وذَلِكَ إنَّما يُعْقَلُ في