< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah038
Saad (38)
The letter Saad, makkah, 88 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
أنَّ الخَصْمَ الَّذِي هَذا شَأْنُهُ يَكُونُ قَدْ ظَلَمَكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ قالَ اللَّيْثُ: خَلِيطُ الرَّجُلِ مُخالِطُهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: الخُلَطاءُ الشُّرَكاءُ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّ داوُدُ الخُلَطاءَ بِبَغْيِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ مَعَ أنَّ غَيْرَ الخُلَطاءِ قَدْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ؟ والجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ المُخالَطَةَ تُوجِبُ كَثْرَةَ المُنازَعَةِ والمُخاصَمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُما إذا اخْتَلَطا اطَّلَعَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَلى أحْوالِ الآخَرِ، فَكُلُّ ما يَمْلِكُهُ مِنَ الأشْياءِ النَّفِيسَةِ إذا اطَّلَعَ عَلَيْهِ عَظُمَتْ رَغْبَتُهُ فِيهِ، فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى زِيادَةِ المُخاصَمَةِ والمُنازَعَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ الخُلَطاءَ بِزِيادَةِ البَغْيِ والعُدْوانِ، ثُمَّ اسْتَثْنى عَنْ هَذا الحُكْمِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَلِمُوا الصّالِحاتِ لِأنَّ مُخالَطَةَ هَؤُلاءِ لا تَكُونُ إلّا لِأجْلِ الدِّينِ وطَلَبِ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ، فَلا جَرَمَ مُخالَطَتُهم لا تُوجِبُ المُنازَعَةَ، وأمّا الَّذِينَ تَكُونُ مُخالَطَتُهم لِأجْلِ حُبِّ الدُّنْيا لا بُدَّ وأنَّ تَصِيرَ مُخالَتَطُهم سَبَبًا لِمَزِيدِ البَغْيِ والعُدْوانِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا يَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، فَلَوْ كانَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ بَغى وتَعَدّى عَلى ذَلِكَ الرَّجُلِ لَزِمَ بِحُكْمِ فَتْوى داوُدَ أنْ لا يَكُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَ مَن يَقُولُ المُرادُ مِن واقِعَةِ النَّعْجَةِ قِصَّةُ داوُدَ قَوْلُهُ باطِلٌ.* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ الحُكْمَ بِقِلَّةِ أهْلِ الخَيْرِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، قالَ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾[سَبَأٍ: ١٣] وقالَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَوْضِعِ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ وحَكى تَعالى عَنْ إبْلِيسَ أنَّهُ قالَ: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾[الأعْرافِ: ١٧] وسَبَبُ القِلَّةِ أنَّ الدَّواعِيَ إلى الدُّنْيا كَثِيرَةٌ، وهي الحَواسُّ الباطِنَةُ والظّاهِرَةُ وهي عَشَرَةٌ، والشُّهُودُ والغَضَبُ، والقُوى الطَّبِيعِيَّةُ السَّبْعَةُ، فالمَجْمُوعُ تِسْعَةَ عَشَرَ واقِفُونَ عَلى بابِ جَهَنَّمَ البَدِنِ، وكُلُّها تَدْعُو إلى الخَلْقِ والدُّنْيا واللَّذَّةِ الحِسِّيَّةِ، وأمّا الدّاعِي إلى الحَقِّصفحة ١٧٣
والدِّينِ فَلَيْسَ إلّا العَقْلَ، واسْتِيلاءُ القُوَّةِ الحِسِّيَّةِ والطَّبِيعِيَّةِ عَلى الخَلْقِ أكْثَرُ مِنَ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ فِيهِمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَتِ القِلَّةُ في جانِبِ أهْلِ الخَيْرِ والكَثْرَةُ في جانِبِ أهْلِ الشَّرِّ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وما في قَوْلِهِ: ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ لِلْإبْهامِ وفِيهِ تَعَجُّبٌ مِن قِلَّتِهِمْ، قالَ وإذا أرَدْتَ أنْ تَتَحَقَّقَ فائِدَتَها ومَوْقِعَها فاطْرَحْها مِن قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ؛ وحَدِيثٌ ما عَلى قِصَرِهِ - وانْظُرْ هَلْ بَقِيَ لَهُ مَعْنًى قَطُّ.* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ قالُوا مَعْناهُ وعَلِمَ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ أيِ امْتَحَنّاهُ، قالُوا: والسَّبَبُ الَّذِي أوْجَبَ حَمْلَ لَفْظِ الظَّنِّ عَلى العِلْمِ هَهُنا أنَّ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَضى بَيْنَهُما نَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ قِبَلَ وجْهِهِ، فَعَلِمَ داوُدُ أنَّ اللَّهَ ابْتَلاهُ بِذَلِكَ فَثَبَتَ أنَّ داوُدُ عَلِمَ ذَلِكَ وإنَّما جازَ حَمْلُ لَفْظِ الظَّنِّ عَلى العِلْمِ لِأنَّ العِلْمَ الِاسْتِدْلالِيَّ يُشْبِهُ الظَّنَّ مُشابَهَةً عَظِيمَةً، والمُشابَهَةُ عِلَّةٌ لِجَوازِ المَجازِ، وأقُولُ: هَذا الكَلامُ إنَّما يَلْزَمُ إذا قُلْنا الخَصْمانِ كانا مَلَكَيْنِ أمّا إذا لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ لا يَلْزَمُنا حَمْلُ الظَّنِّ عَلى العِلْمِ، بَلْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إنَّهُ لَمّا غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ حُصُولُ الِابْتِلاءِ مِنَ اللَّهِ تَعالى اشْتَغَلَ بِالِاسْتِغْفارِ والإنابَةِ.أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ أيْ سَألَ الغُفْرانَ مِن رَبِّهِ، ثُمَّ هَهُنا وجْهانِ:
إنْ قُلْنا بِأنَّهُ قَدْ صَدَرَتْ زَلَّةٌ مِنهُ، حَمَلْنا هَذا الِاسْتِغْفارَ عَلَيْها، وإنْ لَمْ نَقُلْ بِهِ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ.
الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قاصِدِينَ قَتْلَهُ، وإنَّهُ