< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


قادِرًا عَلى ضَبْطِ المَعْنى والتَّعْبِيرِ عَنْهُ إلى أقْصى الغاياتِ، وكُلُّ مَن كانَتْ هَذِهِ القُدْرَةُ في حَقِّهِ أكْمَلَ كانَتِ الآثارُ الصّادِرَةُ عَنِ النَّفْسِ النُّطْقِيَّةِ في حَقِّهِ أكْمَلَ، وكُلُّ مَن كانَتْ تِلْكَ القُدْرَةُ في حَقِّهِ أقَلَّ كانَتْ تِلْكَ الآثارُ أضْعَفَ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى كَمالَ حالِ جَوْهَرِ النَّفْسِ النُّطْقِيَّةِ الَّتِي لِداوُدَ بِقَوْلِهِ:﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ أرْدَفَهُ بِبَيانِ كَمالِ حالِهِ في النُّطْقِ واللَّفْظِ والعِبارَةِ، فَقالَ: ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ وهَذا التَّرْتِيبُ في غايَةِ الجَلالَةِ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ ذَلِكَ بِأنَّ داوُدَ أوَّلُ مَن قالَ في كَلامِهِ أمّا بَعْدُ، وأقُولُ: حَقًّا إنَّ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ أمْثالَ هَذِهِ الكَلِماتِ فَقَدْ حُرِمُوا الوُقُوفَ عَلى مَعانِي كَلامِ اللَّهِ تَعالى حِرْمانًا عَظِيمًا واللَّهُ أعْلَمُ، وقَوْلُ مَن قالَ المُرادُ مَعْرِفَةُ الأُمُورِ الَّتِي بِها يَفْصِلُ بَيْنَ الخُصُومِ وهو طَلَبُ البَيِّنَةِ واليَمِينِ فَبَعِيدٌ أيْضًا، لِأنَّ فَصْلَ الخِطابِ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ قادِرًا عَلى التَّعْبِيرِ عَنْ كُلِّ ما يَخْطُرُ بِالبالِ ويَحْضُرُ في الخَيالِ، بِحَيْثُ لا يَخْتَلِطُ شَيْءٌ بِشَيْءٍ، وبِحَيْثُ يَنْفَصِلُ كُلُّ مَقامٍ عَنْ مَقامٍ، وهَذا مَعْنى عامٌّ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأقْسامِ واللَّهُ أعْلَمُ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في الصِّفاتِ العَشْرِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في مَدْحِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنهم قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ﴾

صفحة ١٦٥

﴿تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أكْفِلْنِيها وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هم وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا مَدَحَهُ وأثْنى عَلَيْهِ مِنَ الوُجُوهِ العَشَرَةِ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ قِصَّةٍ لِيُبَيِّنَ بِها أنَّ الأحْوالَ الواقِعَةَ في هَذِهِ القِصَّةِ لا يُبَيِّنُ شَيْءٌ مِنها كَوْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْتَحِقًّا لِلثَّناءِ والمَدْحِ العَظِيمِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾[طه: ٩] وفائِدَةُ هَذا الِاسْتِفْهامِ التَّنْبِيهُ عَلى جَلالَةِ القِصَّةِ المُسْتَفْهَمِ عَنْها، لِيَكُونَ داعِيًا إلى الإصْغاءِ لَها والِاعْتِبارِ بِها، وأقُولُ لِلنّاسِ في هَذِهِ القِصَّةِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ:

أحَدُها: ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى وجْهٍ يَدُلُّ عَلى صُدُورِ الكَبِيرَةِ عَنْهُ.

وثانِيها: دَلالَتُها عَلى الصَّغِيرَةِ.

وثالِثُها: بِحَيْثُ لا تَدُلُّ عَلى الكَبِيرَةِ ولا عَلى الصَّغِيرَةِ.

فَأمّا القَوْلُ الأوَّلُ فَحاصِلُ كَلامِهِمْ فِيها: أنَّ داوُدَ عَشِقَ امْرَأةَ أُورِيا، فاحْتالَ بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ حَتّى قَتَلَ زَوْجَها ثُمَّ تَزَوَّجَ بِها فَأرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكَيْنِ في صُورَةِ المُتَخاصِمَيْنِ في واقِعَةٍ شَبِيهَةٍ بِواقِعَتِهِ، وعَرَضا تِلْكَ الواقِعَةَ عَلَيْهِ. فَحَكَمَ داوُدُ بِحُكْمٍ لَزِمَ مِنهُ اعْتِرافُهُ بِكَوْنِهِ مُذْنِبًا، ثُمَّ تَنَبَّهَ لِذَلِكَ فاشْتَغَلَ بِالتَّوْبَةِ.

والَّذِي أدِينُ بِهِ وأذْهَبُ إلَيْهِ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ.

الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الحِكايَةَ لَوْ نُسِبَتْ إلى أفْسَقِ النّاسِ وأشَدِّهِمْ فُجُورًا لاسْتَنْكَفَ مِنها، والرَّجُلُ الحُوشِيُّ الخَبِيثُ الَّذِي يُقَرِّرُ تِلْكَ القِصَّةَ لَوْ نُسِبَ إلى مِثْلِ هَذا العَمَلِ لَبالَغَ في تَنْزِيهِ نَفْسِهِ ورُبَّما لَعَنَ مَن يَنْسُبُهُ إلَيْها، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ نِسْبَةُ المَعْصُومِ إلَيْهِ.

الثّانِي: أنَّ حاصِلَ القِصَّةِ يَرْجِعُ إلى أمْرَيْنِ: إلى السَّعْيِ في قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وإلى الطَّمَعِ في زَوْجَتِهِ، أمّا الأوَّلُ: فَأمْرٌ مُنْكَرٌ قالَ ﷺ: «مَن سَعى في دَمِ مُسْلِمٍ ولَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ