< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah038
Saad (38)
The letter Saad, makkah, 88 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
عَلى الحُدُوثِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَلا جَرَمَ جِيءَ بِهِ اسْمًا لا فِعْلًا، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ لَوْ قِيلَ: وسَخَّرْنا الطَّيْرَ مَحْشُورَةً يُسَبِّحْنَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ الحَشْرَ وُجِدَ مِن حاشِرِها جُمْلَةً واحِدَةً دَلَّ عَلى القَدْرِ المَذْكُورِ واللَّهُ أعْلَمُ.
البَحْثُ الثّالِثُ: قُرِئَ“ والطَّيْرُ مَحْشُورَةٌ " بِالرَّفْعِ.
الصِّفَةُ السّابِعَةُ مِن صِفاتِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ ومَعْناهُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الجِبالِ والطَّيْرِ أوّابٌ أيْ رَجّاعٌ، أيْ كُلَّما رَجَعَ داوُدُ إلى التَّسْبِيحِ جاوَبَتْهُ، فَهَذِهِ الأشْياءُ أيْضًا كانَتْ تَرْجِعُ إلى تَسْبِيحاتِها، والفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفَةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها أنَّ فِيما سَبَقَ عَلِمْنا أنَّ الجِبالَ والطَّيْرَ سَبَّحَتْ مَعَ تَسْبِيحِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِهَذا اللَّفْظِ فَهِمْنا دَوامَ تِلْكَ المُوافَقَةِ، وقِيلَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ لِلَّهِ تَعالى أيْ كُلٌّ مِن داوُدَ والجِبالِ والطَّيْرِ لِلَّهِ أوّابٌ أيْ مُسَبِّحٌ مُرَجِّعٌ لِلتَّسْبِيحِ.
الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ أيْ قَوَّيْناهُ، وقالَ تَعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾[القَصَصِ: ٣٥] وقِيلَ شَدَدْنا عَلى المُبالَغَةِ، وأمّا الأسْبابُ المُوجِبَةُ لِحُصُولِ هَذا الشَّدِّ فَكَثِيرَةٌ، وهي إمّا الأسْبابُ الدُّنْيَوِيَّةُ أوِ الدِّينِيَّةُ، أمّا الأوَّلُ فَذَكَرُوا فِيهِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: رَوى الواحِدِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ كانَ يَحْرُسُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ ألْفَ رَجُلٍ، فَإذا أصْبَحَ قِيلَ ارْجِعُوا فَقَدْ رَضِيَ عَنْكم نَبِيُّ اللَّهِ، وزادَ آخَرُونَ فَذَكَرُوا أرْبَعِينَ ألْفًا. قالُوا وكانَ أشَدَّ مُلُوكِ الأرْضِ سُلْطانًا، وعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَجُلًا ادَّعى عِنْدَ داوُدَ عَلى رَجُلٍ أخَذَ مِنهُ بَقَرَةً فَأنْكَرَ المُدَّعى عَلَيْهِ، فَقالَ داوُدُ لِلْمُدَّعِي: أقِمِ البَيِّنَةَ، فَلَمْ يُقِمْها، فَرَأى داوُدُ في مَنامِهِ. أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُهُ أنْ يَقْتُلَ المُدَّعى عَلَيْهِ، فَثَبَتَ داوُدُ وقالَ هو مَنامٌ، فَأتاهُ الوَحْيُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأنْ تَقْتُلَهُ فَأحْضَرَهُ وأعْلَمَهُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِقَتْلِهِ، فَقالَ المُدَّعى عَلَيْهِ صَدَقَ اللَّهُ، إنِّي كُنْتُ قَتَلْتُ أبا هَذا الرَّجُلِ غِيلَةً. فَقَتَلَهُ داوُدُ. فَهَذِهِ الواقِعَةُ شَدَّدَتْ مُلْكَهُ، وأمّا الأسْبابُ الدِّينِيَّةُ المُوجِبَةُ لِهَذا الشَّدِّ فَهي الصَّبْرُ والتَّأمُّلُ التّامُّ والِاحْتِياطُ الكامِلُ.
الصِّفَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾[البَقَرَةِ: ٢٦٩] واعْلَمْ أنَّ الفَضائِلَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: النَّفْسانِيَّةُ والبَدَنِيَّةُ والخارِجِيَّةُ، والفَضائِلُ النَّفْسانِيَّةُ مَحْصُورَةٌ في قِسْمَيْنِ: العِلْمُ والعَمَلُ، أمّا العِلْمُ فَهو أنْ تَصِيرَ النَّفْسُ بِالتَّصَوُّراتِ الحَقِيقِيَّةِ والتَّصْدِيقاتِ النَّفْسانِيَّةِ بِمُقْتَضى الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، وأمّا العَمَلُ فَهو أنْ يَكُونَ الإنْسانُ آتَيًا بِالعَمَلِ الأصْلَحِ الأصْوَبِ بِمَصالِحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَهَذا هو الحِكْمَةُ، وإنَّما سُمِّيَ هَذا بِالحِكْمَةِ لِأنَّ اشْتِقاقَ الحِكْمَةِ الصَّحِيحَةِ لا تَقْبَلُ النَّسْخَ والنَّقْضَ فَكانَتْ في غايَةِ الإحْكامِ، وأمّا الأعْمالُ المُطابِقَةُ لِمَصالِحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ فَإنَّها واجِبَةُ الرِّعايَةِ ولا تَقْبَلُ
صفحة ١٦٤
النَّقْضَ والنَّسْخَ، فَلِهَذا السَّبَبِ سَمَّيْنا تِلْكَ المَعارِفَ وهَذِهِ الأعْمالَ بِالحِكْمَةِ.الصِّفَةُ العاشِرَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ واعْلَمْ أنَّ أجْسامَ هَذا العالَمِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ:
أحَدُها: ما تَكُونُ خالِيَةً عَنِ الإدْراكِ والشُّعُورِ، وهي الجَماداتُ والنَّباتاتُ.
وثانِيها: الَّتِي يَحْصُلُ لَها إدْراكٌ وشُعُورٌ ولَكِنَّها لا تَقْدِرُ عَلى تَعْرِيفِ غَيْرِها الأحْوالَ الَّتِي عَرَفُوها في الأكْثَرِ، وهَذا القِسْمُ هو جُمْلَةُ الحَيَواناتِ سِوى الإنْسانِ.
وثالِثُها: الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ إدْراكٌ وشُعُورٌ ويَحْصُلُ عِنْدَهُ قُدْرَةٌ عَلى تَعْرِيفِ غَيْرِهِ الأحْوالَ المَعْلُومَةَ لَهُ، وذَلِكَ هو الإنْسانُ وقُدْرَتُهُ عَلى تَعْرِيفِ غَيْرِهِ الأحْوالَ المَعْلُومَةَ عِنْدَهُ بِالنُّطْقِ والخِطابِ، ثُمَّ إنَّ النّاسَ مُخْتَلِفُونَ في مَراتِبِ القُدْرَةِ عَلى التَّعْبِيرِ عَمّا في الضَّمِيرِ، فَمِنهم مَن يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إيرادُ الكَلامِ المُرَتَّبِ المُنْتَظِمِ، بَلْ يَكُونُ مُخْتَلِطَ الكَلامِ مُضْطَرِبَ القَوْلِ، ومِنهم مَن يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ التَّرْتِيبُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ومِنهم مَن يَكُونُ