< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah036
Yaseen (36)
Yaseen, makkah, 83 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
يَجُوزُ رُجْحانُكم عَلَيْنا ذَكَرُوا الشُّبْهَةَ مِن جِهَةِ النَّظَرِ إلى المُرْسَلِينَ، ثُمَّ قالُوا: شُبْهَةٌ أُخْرى مِن جِهَةِ المُرْسِلِ، وهو أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِمُنَزِّلٍ شَيْئًا في هَذا العالَمِ، فَإنَّ تَصَرُّفَهُ في العالَمِ العُلْوِيِّ ولِلْعُلْوِيّاتِ التَّصَرُّفُ في السُّفْلِيّاتِ عَلى مَذْهَبِهِمْ، فاللَّهُ تَعالى لَمْ يُنَزِّلْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ في الدُّنْيا فَكَيْفَ أنْزَلَ إلَيْكم ؟ وقَوْلُهُ:﴿الرَّحْمَنُ﴾ إشارَةٌ إلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ لَمّا كانَ رَحْمَنَ الدُّنْيا، والإرْسالُ رَحْمَةٌ، فَكَيْفَ لا يُنْزِلُ رَحْمَتَهُ وهو رَحْمَنٌ ؟ فَقالَ: إنَّهم قالُوا: ما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ شَيْئًا، وكَيْفَ لا يُنْزِلُ الرَّحْمَنُ مَعَ كَوْنِهِ رَحْمانًا شَيْئًا، هو الرَّحْمَةُ الكامِلَةُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا تَكْذِبُونَ﴾ أيْ ما أنْتُمْ إلّا كاذِبِينَ.﴿قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ بِمُجَرَّدِ التَّكْذِيبِ لَمْ يَسْأمُوا ولَمْ يَتْرُكُوا، بَلْ أعادُوا
صفحة ٤٧
ذَلِكَ لَهم، وكَرَّرُوا القَوْلَ عَلَيْهِمْ، وأكَّدُوهُ بِاليَمِينِ، و﴿قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ﴾ وأكَّدُوهُ بِاللّامِ، لِأنَّ (يَعْلَمُ اللَّهُ) يَجْرِي مَجْرى القَسَمِ، لِأنَّ مَن يَقُولُ: يَعْلَمُ اللَّهُ فِيما لا يَكُونُ فَقَدْ نَسَبَ اللَّهَ إلى الجَهْلِ وهو سَبَبُ العِقابِ، كَما أنَّ الحِنْثَ سَبَبُهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿رَبُّنا يَعْلَمُ﴾ إشارَةٌ إلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ حَيْثُ قالُوا: أنْتُمْ بَشَرٌ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ إذا كانَ يَعْلَمُ أنَّهم لَمُرْسَلُونَ، يَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ (الأنْعامِ: ١٢٤) يَعْنِي هو عالِمٌ بِالأُمُورِ وقادِرٌ، فاخْتارَنا بِعِلْمِهِ لِرِسالَتِهِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وما عَلَيْنا إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ تَسْلِيَةٌ لِأنْفُسِهِمْ، أيْ نَحْنُ خَرَجْنا عَنْ عُهْدَةِ ما عَلَيْنا، وحَثًّا لَهم عَلى النَّظَرِ، فَإنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿وما عَلَيْنا إلّا البَلاغُ﴾ كانَ ذَلِكَ يُوجِبُ تَفَكُّرَهم في أمْرِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَطْلُبُوا مِنهم أجْرًا ولا قَصَدُوا رِياسَةً، وإنَّما كانَ شُغْلُهُمُ التَّبْلِيغَ والذِّكْرَ، وذَلِكَ مِمّا يَحْمِلُ العاقِلَ عَلى النَّظَرِ و﴿المُبِينُ﴾ يَحْتَمِلُ أُمُورًا:
أحَدُها: البَلاغُ المُبِينُ لِلْحَقِّ عَنِ الباطِلِ، أيِ الفارِقُ بِالمُعْجِزَةِ والبُرْهانِ.
وثانِيها: البَلاغُ المُظْهِرُ لِما أرْسَلْنا لِلْكُلِّ، أيْ لا يَكْفِي أنْ نُبَلِّغَ الرِّسالَةَ إلى شَخْصٍ أوْ شَخْصَيْنِ.
وثالِثُها: البَلاغُ المُظْهِرُ لِلْحَقِّ بِكُلِّ ما يُمْكِنُ، فَإذا تَمَّ ذَلِكَ ولَمْ يَقْبَلُوا يَحِقُّ هُنالِكَ الهَلاكُ.
ثُمَّ كانَ جَوابُهم بَعْدَ هَذا أنَّهم ﴿قالُوا إنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ظَهَرَ مِنَ الرُّسُلِ المُبالَغَةُ في البَلاغِ ظَهَرَ مِنهُمُ الغُلُوُّ في التَّكْذِيبِ، فَلَمّا قالَ المُرْسَلُونَ: ﴿إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ﴾ قالُوا: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا تَكْذِبُونَ﴾ ولَمّا أكَّدَ الرُّسُلُ قَوْلَهم بِاليَمِينِ حَيْثُ قالُوا: ﴿رَبُّنا يَعْلَمُ﴾ أكَّدُوا قَوْلَهم بِالتَّطَيُّرِ بِهِمْ فَكَأنَّهم قالُوا في الأوَّلِ: كُنْتُمْ كاذِبِينَ، وفي الثّانِي: صِرْتُمْ مُصِرِّينَ عَلى الكَذِبِ، حالِفِينَ مُقْسِمِينَ عَلَيْهِ، و”«اليَمِينُ الكاذِبَةُ تَدَعُ الدِّيارَ بَلاقِعَ» “ فَتَشاءَمْنا بِكم ثانِيًا، وفي الأوَّلِ كَما تَرَكْتُمْ فَفي الثّانِي لا نَتْرُكُكم لِكَوْنِ الشُّؤْمِ مُدْرِكَنا بِسَبَبِكم، فَقالُوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكم ولَيَمَسَّنَّكم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وقَوْلُهُ: لَنَرْجُمَنَّكم يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَنَشْتِمَنَّكم مِنَ الرَّجْمِ بِالقَوْلِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿ولَيَمَسَّنَّكُمْ﴾ تَرَقٍّ كَأنَّهم قالُوا: ولا يَكْتَفِي بِالشَّتْمِ، بَلْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إلى الضَّرْبِ والإيلامِ الحِسِّيِّ.
وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُرادُ الرَّجْمَ بِالحِجارَةِ، وحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ: ﴿ولَيَمَسَّنَّكُمْ﴾ بَيانٌ لِلرَّجْمِ، يَعْنِي: ولا يَكُونُ الرَّجْمُ رَجْمًا قَلِيلًا نَرْجُمُكم بِحَجَرٍ وحَجَرَيْنِ، بَلْ نُدِيمُ ذَلِكَ عَلَيْكم إلى المَوْتِ، وهو عَذابٌ ألِيمٌ، ويَكُونُ المُرادُ ﴿لَنَرْجُمَنَّكم ولَيَمَسَّنَّكُمْ﴾ بِسَبَبِ الرَّجْمِ عَذابٌ مِنّا ألِيمٌ، وقَدْ ذَكَرْنا في الألِيمِ أنَّهُ بِمَعْنى المُؤْلِمِ، والفَعِيلُ بِمَعْنى مُفْعِلٍ قَلِيلٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو مِن بابِ قَوْلِهِ: ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ (الحاقَّةِ: ٢١) أيْ ذاتِ رِضًا، فالعَذابُ الألِيمُ هو ذُو ألَمٍ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ فَعِيلًا بِمَعْنى فاعِلٍ وهو كَثِيرٌ.
ثُمَّ أجابَهُمُ المُرْسَلُونَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿قالُوا