< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah036
Yaseen (36)
Yaseen, makkah, 83 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
أيْ لَمْ يَكُنْ مَجِيئُهم مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، وإنَّما جاءُوهم حَيْثُ أُمِرُوا، وهَذا فِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ في الحِكايَةِ أنَّ الرُّسُلَ كانُوا مَبْعُوثِينَ مِن جِهَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أرْسَلَهم إلى أنْطاكِيَّةَ، فَقالَ تَعالى: إرْسالُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو إرْسالُنا ورَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ بِإذْنِ اللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ، فَلا يَقَعُ لَكَ يا مُحَمَّدُ أنَّ أُولَئِكَ كانُوا رَسُولَ الرَّسُولِ، وأنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَإنَّ تَكْذِيبَهم كَتَكْذِيبِكَ فَتَتِمُّ التَّسْلِيَةُ بِقَوْلِهِ:﴿إذْ أرْسَلْنا﴾ وهَذا يُؤَيِّدُ مَسْألَةً فِقْهِيَّةً، وهي أنَّ وكِيلَ الوَكِيلِ بِإذْنِ المُوَكِّلِ وكِيلُ المُوَكِّلِ لا وكِيلُ الوَكِيلِ حَتّى لا يَنْعَزِلَ بِعَزْلِ الوَكِيلِ إيّاهُ ويَنْعَزِلَ إذا عَزَلَهُ المُوَكِّلُ الأوَّلُ، وهَذا عَلى قَوْلِنا: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا﴾ ضَرْبُ المَثَلِ لِأجْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ظاهِرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما﴾
صفحة ٤٦
فِي بَعْثَةِ الِاثْنَيْنِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ وهي أنَّهُما كانا مَبْعُوثَيْنِ مِن جِهَةِ عِيسى بِإذْنِ اللَّهِ، فَكانَ عَلَيْهِما إنْهاءُ الأمْرِ إلى عِيسى والإتْيانُ بِما أمَرَ اللَّهُ، واللَّهُ عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ لا يَحْتاجُ إلى شاهِدٍ يَشْهَدُ عِنْدَهُ، وأمّا عِيسى فَهو بَشَرٌ فَأمَرَهُ اللَّهُ بِإرْسالِ اثْنَيْنِ لِيَكُونَ قَوْلُهُما عَلى قَوْمِهِما عِنْدَ عِيسى حُجَّةً تامَّةً.وقَوْلُهُ: ﴿فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ أيْ قَوَّيْنا وقُرِئَ: فَعَزَزْنا بِثالِثٍ مُخَفَّفًا، مِن عَزَّ إذا غَلَبَ، فَكَأنَّهُ قالَ: فَغَلَبْنا نَحْنُ وقَهَرْنا بِثالِثٍ، والأوَّلُ أظْهَرُ وأشْهَرُ، وتُرِكَ المَفْعُولُ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: فَعَزَّزْناهُما لِمَعْنًى لَطِيفٍ، وهو أنَّ المَقْصُودَ مِن بَعْثِهِما نُصْرَةُ الحَقِّ لا نُصْرَتُهُما، والكُلُّ مُقَوُّونَ لِلدِّينِ المَتِينِ بِالبُرْهانِ المُبِينِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: النَّبِيُّ ﷺ بَعَثَ رُسُلَهُ إلى الأطْرافِ واكْتَفى بِواحِدٍ، وعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعَثَ اثْنَيْنِ، نَقُولُ: النَّبِيُّ بَعَثَ لِتَقْرِيرِ الفُرُوعِ وهو دُونَ الأصْلِ، فاكْتَفى بِواحِدٍ، فَإنَّ خَبَرَ الواحِدِ في الفُرُوعِ مَقْبُولٌ، وأمّا هُما فَبُعِثا بِالأُصُولِ، وجَعَلَ لَهُما مُعْجِزَةً تُفِيدُ اليَقِينَ، وإلّا لَما كَفى إرْسالُ اثْنَيْنِ أيْضًا، ولا ثَلاثَةٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ اللَّهُ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾ (القَصَصِ: ٣٥) فَذَكَرَ المَفْعُولَ هُناكَ، ولَمْ يَذْكُرْهُ هَهُنا مَعَ أنَّ المَقْصُودَ هُناكَ أيْضًا نُصْرَةُ الحَقِّ، نَقُولُ: مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أفْضَلَ مِن هارُونَ، وهارُونُ بُعِثَ مَعَهُ بِطَلَبِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ (القَصَصِ: ٣٤) فَكانَ هارُونُ مَبْعُوثًا لِيُصَدِّقَ مُوسى فِيما يَقُولُ ويَقُومُ بِما يَأْمُرُهُ، وأمّا هُما فَكُلُّ واحِدٍ مُسْتَقِلٌّ ناطِقٌ بِالحَقِّ، فَكانَ هُناكَ المَقْصُودُ تَقْوِيَةَ مُوسى وإرْسالَ مَن يُؤْنِسُ مَعَهُ وهو هارُونُ، وأمّا هَهُنا فالمَقْصُودُ تَقْوِيَةُ الحَقِّ فَظَهَرَ الفَرْقُ.
ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ ما جَرى مِنهم وعَلَيْهِمْ مِثْلُ ما جَرى مِن مُحَمَّدٍ ﷺ، وعَلَيْهِ فَقالُوا: ﴿إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ﴾ كَما قالَ: ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٥٢) وبَيَّنَ ما قالَ القَوْمُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ﴾ جَعَلُوا كَوْنَهم بَشَرًا مِثْلَهم دَلِيلًا عَلى عَدَمِ الإرْسالِ، وهَذا عامٌّ مِنَ المُشْرِكِينَ قالُوا في حَقِّ مُحَمَّدٍ: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ (ص: ٨) وإنَّما ظَنُّوهُ دَلِيلًا بِناءً عَلى أنَّهم لَمْ يَعْتَقِدُوا في اللَّهِ الِاخْتِيارَ، وإنَّما قالُوا فِيهِ: إنَّهُ مُوجِبٌ بِالذّاتِ، وقَدِ اسْتَوَيْنا في البَشَرِيَّةِ فَلا يُمْكِنُ الرُّجْحانُ، واللَّهُ تَعالى رَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ (الأنْعامِ: ١٢٤) وبِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ﴾ (الشُّورى: ١٣) إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿وما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مُتَمِّمًا لِما ذَكَرُوهُ، فَيَكُونُ الكُلُّ شُبْهَةً واحِدَةً، ووَجْهُهُ هو أنَّهم قالُوا: أنْتُمْ بَشَرٌ فَما نَزَلْتُمْ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم أحَدًا، فَكَيْفَ صِرْتُمْ رُسُلًا لِلَّهِ ؟
وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ هَذا شُبْهَةً أُخْرى مُسْتَقِلَّةً، ووَجْهُهُ هو أنَّهم لَمّا قالُوا: أنْتُمْ بَشَرٌ مِثْلُنا فَلا