< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah036
Yaseen (36)
Yaseen, makkah, 83 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
طائِرُكم مَعَكُمْ﴾ أيْ شُؤْمُكم مَعَكم، وهو الكُفْرُ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿أئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ يَعْنِي أتَفْعَلُونَ بِنا ذَلِكَ، وإنْ ذُكِّرْتُمْ أيْ بَيَّنَ لَكُمُ الأمْرَ بِالمُعْجِزِ والبُرْهانِ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ حَيْثُ تَجْعَلُونَ مَن يُتَبَرَّكُ بِهِ كَمَن يُتَشاءَمُ بِهِ وتَقْصِدُونَ إيلامَ مَن يَجِبُ في حَقِّهِ الإكْرامُ أوْ (مُسْرِفُونَ) حَيْثُ تَكْفُرُونَ، ثُمَّ تُصِرُّونَ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ بِالمُعْجِزِ والبُرْهانِ،
صفحة ٤٨
فَإنَّ الكافِرَ مُسِيءٌ، فَإذا تَمَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ وأُوضِحَ لَهُ السَّبِيلُ ويُصِرُّ يَكُونُ مُسْرِفًا، والمُسْرِفُ هو المُجاوِزُ الحَدَّ بِحَيْثُ يَبْلُغُ الضِّدَّ، وهم كانُوا كَذَلِكَ في كَثِيرٍ مِنَ الأشْياءِ، أمّا في التَّبَرُّكِ والتَّشاؤُمِ فَقَدْ عُلِمَ، وكَذَلِكَ في الإيلامِ والإكْرامِ، وأمّا في الكُفْرِ فَلِأنَّ الواجِبَ اتِّباعُ الدَّلِيلِ، فَإنْ لَمْ يُوجَدْ بِهِ فَلا أقَلَّ مِن أنْ لا يُجْزَمَ بِنَقِيضِهِ وهم جَزَمُوا بِالكُفْرِ بَعْدَ البُرْهانِ عَلى الإيمانِ، فَإنْ قِيلَ: بَلْ لِلْإضْرابِ فَما الأمْرُ المُضْرَبُ عَنْهُ ؟ نَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: قَوْلُهُ: ﴿أئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ وارِدٌ عَلى تَكْذِيبِهِمْ ونِسْبَتِهِمُ الرُّسُلَ إلى الكَذِبِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا تَكْذِبُونَ﴾ فَكَأنَّهم قالُوا: أنَحْنُ كاذِبُونَ وإنْ جِئْنا بِالبُرْهانِ، لا ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: أنَحْنُ مَشْؤُومُونَ، وإنْ جِئْنا بِبَيانِ صِحَّةِ ما نَحْنُ عَلَيْهِ، لا ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: أنَحْنُ مُسْتَحِقُّونَ لِلرَّجْمِ والإيلامِ، وإنْ بَيَّنّا صِحَّةَ ما أتَيْنا بِهِ، لا ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ وأمّا الحِكايَةُ فَمَشْهُورَةٌ، وهي أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعَثَ رَجُلَيْنِ إلى أنْطاكِيَّةَ فَدَعَيا إلى التَّوْحِيدِ وأظْهَرا المُعْجِزَةَ مِن إبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ وإحْياءِ المَوْتى فَحَبَسَهُما المَلِكُ، فَأرْسَلَ بَعْدَهُما شَمْعُونَ فَأتى المَلِكَ ولَمْ يَدَعِ الرِّسالَةَ، وقَرَّبَ نَفْسَهُ إلى المَلِكِ بِحُسْنِ التَّدْبِيرِ، ثُمَّ قالَ لَهُ: إنِّي أسْمَعُ أنَّ في الحَبْسِ رَجُلَيْنِ يَدَّعِيانِ أمْرًا بَدِيعًا، أفَلا يَحْضُرانِ حَتّى نَسْمَعَ كَلامَهُما ؟ قالَ المَلِكُ: بَلى، فَأُحْضِرا وذَكَرا مَقالَتَهُما الحَقَّةَ، فَقالَ لَهُما شَمْعُونُ: فَهَلْ لَكَما بَيِّنَةٌ ؟ قالا: نَعَمْ، فَأبْرَآ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأحْيَيا المَوْتى، فَقالَ شَمْعُونُ: أيُّها المَلِكُ، إنْ شِئْتَ أنْ تَغْلِبَهم، فَقُلْ لِلْآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَها تَفْعَلْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، قالَ المَلِكُ: أنْتَ لا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّها لا تُبْصِرُ ولا تَسْمَعُ ولا تَقْدِرُ ولا تَعْلَمُ، فَقالَ شَمْعُونُ: فَإذَنْ ظَهَرَ الحَقُّ مِن جانِبِهِمْ، فَآمَنَ المَلِكُ وقَوْمٌ، وكَفَرَ آخَرُونَ، وكانَتِ الغَلَبَةُ لِلْمُكَذِّبِينَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾
وفِي فائِدَتِهِ وتَعَلُّقِهِ بِما قَبْلَهُ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ بَيانٌ لِكَوْنِهِمْ أتَوْا بِالبَلاغِ المُبِينِ حَيْثُ آمَنَ بِهِمُ الرَّجُلُ السّاعِي، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾ فِيهِ بَلاغَةٌ باهِرَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا ﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ﴾ وهو قَدْ آمَنَ دَلَّ عَلى أنَّ إنْذارَهم وإظْهارَهم بَلَغَ إلى أقْصى المَدِينَةِ.
وثانِيهِما: أنَّ ضَرْبَ المَثَلِ لَمّا كانَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيَةً لِقَلْبِهِ ذَكَرَ بَعْدَ الفَراغِ مِن ذِكْرِ الرُّسُلِ سَعْيَ المُؤْمِنِينَ في تَصْدِيقِ رُسُلِهِمْ وصَبْرِهِمْ عَلى ما أُوذُوا، ووُصُولُ الجَزاءِ الأوْفى إلَيْهِمْ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَسْلِيَةً لِقَلْبِ أصْحابِ مُحَمَّدٍ، كَما أنَّ ذِكْرَ المُرْسَلِينَ تَسْلِيَةٌ لِقَلْبِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وفي التَّفْسِيرِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ﴾ في تَنْكِيرِ الرَّجُلِ مَعَ أنَّهُ كانَ مَعْرُوفًا مَعْلُومًا عِنْدَ اللَّهِ فائِدَتانِ:
الأُولى: أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ أيْ رَجُلٌ كامِلٌ في الرُّجُولِيَّةِ.
الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِظُهُورِ الحَقِّ مِن جانِبِ المُرْسَلِينَ حَيْثُ آمَنَ رَجُلٌ مِنَ الرِّجالِ لا مَعْرِفَةَ لَهم بِهِ، فَلا يُقالُ: إنَّهم تَواطَئُوا، والرَّجُلُ هو حَبِيبٌ النَّجّارُ كانَ يَنْحِتُ الأصْنامَ وقَدْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ وُجُودِهِ حَيْثُ صارَ مِنَ العُلَماءِ بِكِتابِ اللَّهِ، ورَأى فِيهِ نَعْتَ مُحَمَّدٍ