< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ (القَمَرِ: ٥٢) يَعْنِي لَيْسَ ما في الزُّبُرِ مُنْحَصِرًا فِيما فَعَلُوهُ بَلْ كُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ مَكْتُوبٌ، وقَوْلُهُ: ﴿أحْصَيْناهُ﴾ أبْلَغُ مِن كَتَبْناهُ لِأنَّ مَن كَتَبَ شَيْئًا مُفَرَّقًا يَحْتاجُ إلى جَمْعِ عَدَدِهِ، فَقالَ: هو مُحْصًى فِيهِ وسُمِّيَ الكِتابُ إمامًا؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ يَتَّبِعُونَهُ فَما كُتِبَ فِيهِ مِن أجَلٍ ورِزْقٍ وإحْياءٍ وإماتَةٍ اتَّبَعُوهُ، وقِيلَ: هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وإمامٌ جاءَ جَمْعًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ (الإسْراءِ: ٧١) أيْ بِأئِمَّتِهِمْ؛ وحِينَئِذٍ فَإمامٌ إذا كانَ فَرْدًا فَهو كَكِتابٍ وحِجابٍ، وإذا كانَ جَمْعًا فَهو كَجِبالٍ وحِبالٍ، والمُبِينُ هو المُظْهِرُ لِلْأُمُورِ لِكَوْنِهِ مُظْهِرًا لِلْمَلائِكَةِ ما يَفْعَلُونَ ولِلنّاسِ ما يُفْعَلُ بِهِمْ، وهو الفارِقُ يَفْرِقُ بَيْنَ أحْوالِ الخَلْقِ، فَيَجْعَلُ فَرِيقًا في الجَنَّةِ وفَرِيقًا في السَّعِيرِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ﴾ .

وفِيهِ وجْهانِ: والتَّرْتِيبُ ظاهِرٌ عَلى الوَجْهَيْنِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: هو أنْ يَكُونَ المَعْنى: واضْرِبْ لِأجْلِهِمْ مَثَلًا.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: واضْرِبْ لِأجْلِ نَفْسِكَ أصْحابَ القَرْيَةِ لَهم مَثَلًا أيْ: مَثِّلْهم عِنْدَ نَفْسِكَ بِأصْحابِ القَرْيَةِ، وعَلى الأوَّلِ نَقُولُ: لَمّا قالَ اللَّهُ: ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ (الأحْقافِ: ٩) وقالَ: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ (السَّجْدَةِ: ٣) قالَ: قُلْ لَهم: ﴿ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ (الأحْقافِ: ٩) بَلْ قَبْلِي بِقَلِيلٍ جاءَ أصْحابَ القَرْيَةِ مُرْسَلُونَ، وأنْذَرُوهم بِما أنْذَرْتُكم، وذَكَرُوا التَّوْحِيدَ وخَوَّفُوا بِالقِيامَةِ وبَشَّرُوا بِنَعِيمِ دارِ الإقامَةِ، وعَلى الثّانِي نَقُولُ: لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: إنَّ

صفحة ٤٥

الإنْذارَ لا يَنْفَعُ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ وكَتَبَ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، قالَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: فَلا تَأسَ واضْرِبْ لِنَفْسِكَ ولِقَوْمِكَ مَثَلًا، أيْ مَثِّلْ لَهم عِنْدَ نَفْسِكَ مَثَلًا حَيْثُ جاءَهم ثَلاثَةُ رُسُلٍ ولَمْ يُؤْمِنُوا وصَبَرَ الرُّسُلُ عَلى القَتْلِ والإيذاءِ، وأنْتَ جِئْتَهم واحِدًا وقَوْمُكَ أكْثَرُ مِن قَوْمِ الثَّلاثَةِ، فَإنَّهم جاءُوا قَرْيَةً وأنْتَ بُعِثَتْ إلى العالَمِ، وفي التَّفْسِيرِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ما مَعْنى قَوْلِ القائِلِ ضَرَبَ مَثَلًا ؟ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واضْرِبْ﴾ مَعَ أنَّ الضَّرْبَ في اللُّغَةِ، إمّا إمْساسُ جِسْمٍ جِسْمًا بِعُنْفٍ، وإمّا السَّيْرُ إذا قُرِنَ بِهِ حَرْفُ في، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ (النِّساءِ: ١٠١) ؟ نَقُولُ: قَوْلُهُ ضَرَبَ مَثَلًا مَعْناهُ: مَثَّلَ مَثَلًا، وذَلِكَ لِأنَّ الضَّرْبَ اسْمٌ لِلنَّوْعِ، يُقالُ: هَذِهِ الأشْياءُ مِن ضَرْبٍ واحِدٍ؛ أيِ اجْعَلْ هَذا وذاكَ مِن ضَرْبٍ واحِدٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أصْحابُ القَرْيَةِ، مَعْناهُ: واضْرِبْ لَهم مَثَلًا مِثْلَ أصْحابِ القَرْيَةِ، فَتَرَكَ المَثَلَ وأُقِيمَ الأصْحابُ مَقامَهُ في الإعْرابِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ (يُوسُفَ: ٨٢) هَذا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ في الكَشّافِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: لا حاجَةَ إلى الإضْمارِ بَلِ المَعْنى: اجْعَلْ أصْحابَ القَرْيَةِ لَهم مَثَلًا أوْ مَثِّلْ أصْحابَ القَرْيَةِ بِهِمْ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ، إذْ مَنصُوبَةٌ لِأنَّها بَدَلٌ مِن أصْحابِ القَرْيَةِ، كَأنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهُمْ﴾ وقْتَ مَجِيءِ المُرْسَلِينَ، ومَثِّلْ ذَلِكَ الوَقْتَ بِوَقْتِ مَجِيئِكَ، وهَذا أيْضًا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ وعَلى قَوْلِنا: إنَّ هَذا المَثَلَ مَضْرُوبٌ لِنَفْسِ مُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيَةً، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إذْ ظَرْفٌ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: (اضْرِبْ) أيِ اجْعَلِ الضَّرْبَ، كَأنَّهُ حِينُ مَجِيئِهِمْ وواقِعٌ فِيهِ، والقَرْيَةُ أنْطاكِيَّةُ والمُرْسَلُونَ مِن قَوْمِ عِيسى، وهم أقْرَبُ مُرْسَلٍ أُرْسِلَ إلى قَوْمٍ إلى زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهم ثَلاثَةٌ كَما بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ أرْسَلْنا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ إذْ أرْسَلْنا بَدَلًا مِن إذْ جاءَها، كَأنَّهُ قالَ: اضْرِبْ لَهم مَثَلًا، إذْ أرْسَلْنا إلى أصْحابِ القَرْيَةِ اثْنَيْنِ.

وثانِيهِما: وهو الأصَحُّ والأوْضَحُ أنْ يَكُونَ إذْ ظَرْفًا والفِعْلُ الواقِعُ فِيهِ جاءَها أيْ جاءَها المُرْسَلُونَ حِينَ أرْسَلْناهم إلَيْهِمْ؛