< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah024
An-Noor (24)
The Light, madinah, 64 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
صفحة ١٢٢
إيجابُ جَلْدِ هَذا الزّانِي إيجابَ جَلْدِ كُلِّ زانٍ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَطَلَ ما قالُوهُ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: اللَّفْظُ المُطْلَقُ إنَّما يُفِيدُ العُمُومَ بِشَرْطِ العَراءِ عَنْ لَفْظِ التَّعْيِينِ، أوْ يُقالُ: اللَّفْظُ المُطْلَقُ وإنِ اقْتَضى العُمُومَ إلّا أنَّ لَفْظَ التَّعْيِينِ يَقْتَضِي الخُصُوصَ، قُلْنا: أمّا الأوَّلُ فَباطِلٌ لِأنَّ العَدَمَ لا دَخْلَ لَهُ في التَّأْثِيرِ، أمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ يَقْتَضِي التَّعارُضَ وهو خِلافُ الأصْلِ.وخامِسُها: أنْ يُقالَ: الإنْسانُ هو الضَّحّاكُ، فَلَوْ كانَ المَفْهُومُ مِن قَوْلِنا: الإنْسانُ، هو كُلُّ الإنْسانِ، لَنَزَلَ ذَلِكَ مَنزِلَةَ ما يُقالُ: كُلُّ إنْسانٍ هو الضَّحّاكُ، وذَلِكَ مُتَناقِضٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي حَصْرَ الإنْسانِيَّةِ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ، ومَعْنى الحَصْرِ هو أنْ يَثْبُتَ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَصْدُقَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن أشْخاصِ النّاسِ أنَّهُ هو الضَّحّاكُ لا غَيْرُ، واحْتَجَّ المُخالِفُ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يَجُوزُ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾[العَصْرِ: ٢، ٣] والِاسْتِثْناءُ يُخْرِجُ مِنَ الكَلامِ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ تَحْتَهُ.
الثّانِي: أنَّ الألِفَ واللّامَ لِلتَّعْرِيفِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِتَعْرِيفِ الماهِيَّةِ، فَإنَّ ذَلِكَ قَدْ حَصَلَ بِأصْلِ الِاسْمِ، ولا لِتَعْرِيفِ واحِدٍ بِعَيْنِهِ، فَإنَّهُ لَيْسَ في اللَّفْظِ دَلالَةٌ عَلَيْهِ، ولا لِتَعْرِيفِ بَعْضِ مَراتِبَ الخُصُوصِ، فَإنَّهُ لَيْسَ بَعْضُ المَراتِبِ أوْلى مِن بَعْضٍ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى تَعْرِيفِ الكُلِّ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِثْناءَ مَجازٌ بِدَلِيلِ أنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: رَأيْتُ الإنْسانَ إلّا المُؤْمِنِينَ، وعَنِ الثّانِي أنَّهُ يُشْكِلُ بِدُخُولِ الألِفِ واللّامِ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ، فَإنْ جَعَلْتَها هُناكَ لِلتَّأْكِيدِ فَكَذا هاهُنا، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ وإنْ كانَ لا يُفِيدُ العُمُومَ بِحَسَبِ اللَّفْظِ، لَكِنَّهُ يُفِيدُهُ بِحَسَبِ القَرِينَةِ وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ المُشْتَقِّ يُفِيدُ كَوْنَ ذَلِكَ الوَصْفِ عِلَّةً لِذَلِكَ الحُكْمِ، لا سِيَّما إذا كانَ الوَصْفُ مُناسِبًا، وهاهُنا كَذَلِكَ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الزِّنا عِلَّةٌ لِوُجُوبِ الجَلْدِ، فَيَلْزَمُ أنْ يُقالَ: أيْنَما تَحَقَّقَ الزِّنا يَتَحَقَّقُ وُجُوبُ الجَلْدِ ضَرُورَةَ أنَّ العِلَّةَ لا تَنْفَكُّ عَنِ المَعْلُولِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ إمّا أنْ يَكُونَ كُلَّ الزُّناةِ أوِ البَعْضَ، فَإنْ كانَ الثّانِيَ صارَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن إمْكانِ العَمَلِ بِهِ، لَكِنَّ العَمَلَ بِهِ مَأْمُورٌ، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ حَتّى يُمْكِنَ العَمَلُ بِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
البَحْثُ الثّالِثُ: في الشَّرائِطِ المُعْتَبَرَةِ في كَوْنِ الزِّنا مُوجِبًا لِلرَّجْمِ تارَةً والجَلْدِ أُخْرى، فَنَقُولُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّ كَوْنَ الزِّنا مُوجِبًا لِهَذَيْنَ الحُكْمَيْنِ مَشْرُوطٌ بِالعَقْلِ وبِالبُلُوغِ، فَلا يَجِبُ الرَّجْمُ والحَدُّ عَلى الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، وهَذانَ الشَّرْطانِ لَيْسا مِن خَواصِّ هَذَيْنِ الحُكْمَيْنِ بَلْ هُما مُعْتَبَرانِ في كُلِّ العُقُوباتِ، أمّا كَوْنُهُما مُوجِبَيْنِ لِلرَّجْمِ فَلا بُدَّ مَعَ العَقْلِ والبُلُوغِ مِن أُمُورٍ أُخَرَ.الشَّرْطُ الأوَّلُ: الحُرِّيَّةُ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ الرَّقِيقَ لا يَجِبُ عَلَيْهِمُ الرَّجْمُ البَتَّةَ.
الشَّرْطُ الثّانِي: التَّزَوُّجُ بِنِكاحٍ صَحِيحٍ، فَلا يَحْصُلُ الإحْصانُ بِالإصابَةِ بِمِلْكِ اليَمِينِ ولا بِوَطْءِ الشُّبْهَةِ ولا بِالنِّكاحِ الفاسِدِ.
الشَّرْطُ الثّالِثُ: الدُّخُولُ ولا بُدَّ مِنهُ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الثَّيِّبِ بِالثَّيِّبِ» “ وإنَّما تَصِيرُ ثَيِّبًا بِالوَطْءِ، وهاهُنا مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: هَلْ يُشْتَرَطُ أنْ تَكُونَ الإصابَةُ بِالنِّكاحِ بَعْدَ البُلُوغِ والحُرِّيَّةِ والعَقْلِ؟ فِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: لا يُشْتَرَطُ، حَتّى لَوْ أصابَ عَبْدٌ أمَةً بِنِكاحٍ صَحِيحٍ أوْ في حالِ الجُنُونِ والصِّغَرِ، ثُمَّ كَمُلَ حالُهُ فَزَنى يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّجْمُ؛ لِأنَّهُ وطْءٌ يَحْصُلُ بِهِ التَّحْلِيلُ لِلزَّوْجِ الأوَّلِ، فَيَحْصُلُ بِهِ الإحْصانُ