< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


بِالعَقْلِ جازَ قَبُولُ خَبَرِ الواحِدِ فِيهِ، كَما أنَّ الفُرُوضَ لَوْ كانَتْ خَمْسًا لَتَوَقَّفَ عَلى أدائِها الخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ وقَبُولِ الشَّهادَةِ، ولَوْ زِيدَ فِيها شَيْءٌ آخَرُ لَتَوَقَّفَ الخُرُوجُ عَنِ العُهْدَةِ وقَبُولِ الشَّهادَةِ عَلى أداءِ تِلْكَ الزِّيادَةِ، مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ إثْباتُهُ بِخَبَرِ الواحِدِ والقِياسِ، فَكَذا هاهُنا. أمّا لَوْ قالَ اللَّهُ تَعالى: الجَلْدُ كَمالُ الحَدِّ، وعَلِمْنا أنَّها وحْدَها مُتَعَلِّقُ رَدِّ الشَّهادَةِ، فَلا يُقْبَلُ هاهُنا في إثْباتِ الزِّيادَةِ خَبَرُ الواحِدِ؛ لِأنَّ نَفْيَ وُجُوبِ الزِّيادَةِ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُتَواتِرٍ. والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّهُ لَوْ صَحَّ ما ذَكَرَهُ لَوَجَبَ في كُلِّ ما خَصَّصَ آيَةً عامَّةً أنْ يَبْلُغَ في الِاشْتِهارِ مَبْلَغَ تِلْكَ الآيَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ أنَّ قَوْلَهُ: ”ثُمَّ بِيعُوها“ لا يُفِيدُ التَّعْقِيبَ، فَلَعَلَّها تُنْفى ثُمَّ بَعْدَ النَّفْيِ تُباعُ. والجَوابُ عَنِ الرّابِعِ أنَّهُ مُعارَضٌ بِما رَوى التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَلَدَ وغَرَّبَ، وأنَّ أبا بَكْرٍ جَلَدَ وغَرَّبَ. والجَوابُ عَنِ الخامِسِ أنَّ لِلشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَغْرِيبِ العَبْدِ قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: لا يُغَرَّبُ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ» “ ولَمْ يَأْمُرْ بِالتَّغْرِيبِ، ولِأنَّ التَّغْرِيبَ لِلْمَعَرَّةِ ولا مَعَرَّةَ عَلى العَبْدِ فِيهِ؛ لِأنَّهُ يُنْقَلُ مِن يَدٍ إلى يَدٍ، ولِأنَّ مَنافِعَهُ لِلسَّيِّدِ فَفي نَفْيِهِ إضْرارٌ بِالسَّيِّدِ. والثّانِي: وهو الأصَحُّ أنَّهُ يُغَرَّبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾[النِّساءِ: ٢٥] ولا يُنْظَرُ إلى ضَرَرِ المَوْلى، كَما يُقْتَلُ العَبْدُ بِسَبَبِ الرِّدَّةِ، ويُجْلَدُ العَبْدُ في الزِّنا والقَذْفِ، وإنْ تَضَرَّرَ بِهِ المَوْلى، فَعَلى هَذا كَمْ يُغَرَّبُ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: يُغَرَّبُ نِصْفَ سَنَةٍ؛ لِأنَّهُ يَقْبَلُ التَّنْصِيفَ كَما يُجْلَدُ نِصْفَ حَدِّ الأحْرارِ. والثّانِي: يُغَرَّبُ سَنَةً؛ لِأنَّ التَّغْرِيبَ المَقْصُودَ مِنهُ الإيحاشُ، وذَلِكَ مَعْنًى يَرْجِعُ إلى الطَّبْعِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الحُرُّ والعَبْدُ كَمُدَّةِ الإيلاءِ أوِ العُنَّةِ. والجَوابُ عَنِ السّادِسِ: أنَّ المَرْأةَ لا تُغَرَّبُ وحْدَها بَلْ مَعَ مَحْرَمٍ، فَإنْ لَمْ يَتَبَرَّعِ المَحْرَمُ بِالخُرُوجِ مَعَها أُعْطِيَ أُجْرَتَهُ مِن بَيْتِ المالِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَها مَحْرَمٌ تُغَرَّبُ مَعَ النِّساءِ الثِّقاتِ، كَما يَجِبُ عَلَيْها الخُرُوجُ إلى الحَجِّ مَعَهُنَّ. قَوْلُهُ: التَّغْرِيبُ يَفْتَحُ عَلَيْها بابَ الزِّنا، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ فَإنَّ أكْثَرَ الزِّنا بِالإلْفِ والمُؤانَسَةِ وفَراغِ القَلْبِ، وأكْثَرَ هَذِهِ الأشْياءِ تَبْطُلُ بِالغُرْبَةِ، فَإنَّ الإنْسانَ يَقَعُ في الوَحْشَةِ والتَّعَبِ والنَّصَبِ فَلا يَتَفَرَّغُ لِلزِّنا. والجَوابُ عَنِ السّابِعِ: أيُّ اسْتِبْعادٍ في أنْ يَكُونَ الإنْسانُ الَّذِي يَعْجِزُ عَنْ رُكُوبِ الدّابَّةِ يَقْدِرُ عَلى الزِّنا؟ والجَوابُ عَنِ الثّامِنِ: أنَّهُ يُنْتَقَضُ بِالتَّغْرِيبِ إذا وقَعَ عَلى سَبِيلِ التَّعْزِيرِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المسألة الثّالِثَةُ: اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ يُفِيدُ الحُكْمَ في كُلِّ الزُّناةِ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ تِلْكَ الدَّلالَةِ، فَقالَ قائِلُونَ: لَفْظُ الزّانِي يُفِيدُ العُمُومَ، والمُخْتارُ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ.

أحَدُها: أنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ: لَبِسْتُ الثَّوْبَ أوْ شَرِبْتُ الماءَ، لا يُفِيدُ العُمُومَ.

وثانِيها: أنَّهُ لا يَجُوزُ تَوْكِيدُهُ بِما يُؤَكَّدُ بِهِ الجَمْعُ، فَلا يُقالُ: جاءَنِي الرَّجُلُ أجْمَعُونَ.

وثالِثُها: لا يُنْعَتُ بِنُعُوتِ الجَمْعِ فَلا يُقالُ: جاءَنِي الرَّجُلُ الفُقَراءُ، وتَكَلَّمَ الفَقِيهُ الفُضَلاءُ، فَأمّا قَوْلُهم: أهْلَكَ النّاسَ الدِّرْهَمُ البِيضُ والدِّينارُ الصُّفْرُ، فَمَجازٌ؛ بِدَلِيلِ أنَّهُ لا يَطَّرِدُ، وأيْضًا فَإنْ كانَ الدِّينارُ الصُّفْرُ حَقِيقَةً وجَبَ أنْ يَكُونَ الدِّينارُ الأصْفَرُ مَجازًا، كَما أنَّ الدَّنانِيرَ الصُّفْرَ لَمّا كانَتْ حَقِيقَةً كانَ الدَّنانِيرُ الأصْفَرُ مَجازًا.

ورابِعُها: أنَّ الزّانِيَ جُزْئِيٌّ مِن هَذا الزّانِي، فَإيجابُ جَلْدِ هَذا الزّانِي إيجابُ جَلْدِ الزّانِي، فَلَوْ كانَ إيجابُ جَلْدِ الزّانِي إيجابًا لِجَلْدِ كُلِّ زانٍ لَزِمَ أنْ يَكُونَ