< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah081
At-Takwir (81)
The Overthrowing, makkah, 29 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
إعْلامِهِ حَتّى يَأْخُذَ عَلَيْهِ حُلْوانًا، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الأُولى لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ لَمْ يُبَخِّلُوهُ، وإنَّما اتَّهَمُوهُ فَنَفْيُ التُّهْمَةِ أوْلى مِن نَفْيِ البُخْلِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الغَيْبِ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ البُخْلَ لَقالَ بِالغَيْبِ لِأنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ ضَنِينٌ بِكَذا وقَلَّما يُقالُ عَلى كَذا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ كانَ أهْلُ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إنَّ هَذا القُرْآنَ يَجِيءُ بِهِ شَيْطانٌ فَيُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ القَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ مَوْقُوفٌ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ ؟ قُلْنا: بَيَّنّا أنَّ عَلى القَوْلِ بِالصِّرْفَةِ لا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ النُّبُوَّةِ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَلا جَرَمَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ.صفحة ٦٩
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ وهَذا اسْتِضْلالٌ لَهم يُقالُ لِتارِكِ الجادَّةِ اعْتِسافًا: أيْنَ تَذْهَبُ ؟ مُثِّلَتْ حالُهم بِحالِهِ في تَرْكِهِمُ الحَقَّ وعُدُولِهِمْ عَنْهُ إلى الباطِلِ، والمَعْنى أيُّ طَرِيقٍ تَسْلُكُونَ أبَيْنُ مِن هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي قَدْ بَيَّنْتُ لَكم، قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ إلى أيْنَ تَذْهَبُ وأيْنَ تَذْهَبُ، وتَقُولُ ذَهَبْتُ الشّامَ وانْطَلَقْتُ السُّوقَ، واحْتَجَّ أهْلُ الِاعْتِزالِ بِهَذِهِ الآيَةِ ووَجْهُهُ ظاهِرٌ.ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ ما هو، فَقالَ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ هو بَيانٌ وهِدايَةٌ لِلْخَلْقِ أجْمَعِينَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ وهو بَدَلٌ مِنَ العالَمِينَ، والتَّقْدِيرُ: إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ، وفائِدَةُ هَذا الإبْدالِ أنَّ الَّذِينَ شاءُوا الِاسْتِقامَةَ بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالذِّكْرِ، فَكَأنَّهُ لَمْ يُوعَظْ بِهِ غَيْرُهم، والمَعْنى أنَّ القُرْآنَ إنَّما يَنْتَفِعُ بِهِ مَن شاءَ أنْ يَسْتَقِيمَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَشِيئَةَ الِاسْتِقامَةِ مَوْقُوفَةٌ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ.
﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُعْطِيَهُ تِلْكَ المَشِيئَةَ، لِأنَّ فِعْلَ تِلْكَ المَشِيئَةِ صِفَةٌ مُحْدَثَةٌ فَلا بُدَّ في حُدُوثِها مِن مَشِيئَةٍ أُخْرى فَيَظْهَرُ مِن مَجْمُوعِ هَذِهِ الآياتِ أنَّ فِعْلَ الِاسْتِقامَةِ مَوْقُوفٌ عَلى إرادَةِ الِاسْتِقامَةِ. وهَذِهِ الإرادَةُ مَوْقُوفَةُ الحُصُولِ عَلى أنْ يُرِيدَ اللَّهُ أنْ يُعْطِيَهُ تِلْكَ الإرادَةَ، والمَوْقُوفُ عَلى المَوْقُوفِ عَلى الشَّيْءِ مَوْقُوفٌ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَأفْعالُ العِبادِ في طَرَفَيْ ثُبُوتِها وانْتِفائِها، مَوْقُوفَةٌ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ وهَذا هو قَوْلُ أصْحابِنا، وقَوْلُ بَعْضِ المُعْتَزِلَةِ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِمَشِيئَةِ القَهْرِ والإلْجاءِ ضَعِيفٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ المَشِيئَةَ الِاخْتِيارِيَّةَ شَيْءٌ حادِثٌ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُحْدِثٍ فَيَتَوَقَّفُ حُدُوثُها عَلى أنْ يَشاءَ مُحْدِثُها إيجادَها، وحِينَئِذٍ يَعُودُ الإلْزامُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.