< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


صفحة ٥٠

(سُورَةُ عَبَسَ)

وهِيَ أرْبَعُونَ وآيَتانِ مَكِّيَّةٌ

﷽

﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾

﷽

﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: «أتى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ - وأُمُّ مَكْتُومٍ أُمُّ أبِيهِ واسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ الفِهْرِيُّ مِن بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ - وعِنْدَهُ صَنادِيدُ قُرَيْشٍ: عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ وأبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ، والعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ، رَجاءَ أنْ يُسْلِمَ بِإسْلامِهِمْ غَيْرُهُمْ، فَقالَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: أقْرِئْنِي وعَلِّمْنِي مِمّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، وكَرَّرَ ذَلِكَ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَطْعَهُ لِكَلامِهِ، وعَبَسَ وأعْرَضَ عَنْهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكْرِمُهُ، ويَقُولُ إذا رَآهُ: ”مَرْحَبًا بِمَن عاتَبَنِي فِيهِ رَبِّي“ ويَقُولُ: هَلْ لَكَ مِن حاجَةٍ، واسْتَخْلَفَهُ عَلى المَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ»، وفي المَوْضِعِ سُؤالاتٌ:

الأوَّلُ: أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كانَ يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ والزَّجْرَ، فَكَيْفَ عاتَبَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلى أنْ أدَّبَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ وزَجَرَهُ؟ وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ كانَ يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ وإنْ كانَ لِفَقْدِ بَصَرِهِ لا يَرى القَوْمَ، لَكِنَّهُ لِصِحَّةِ سَمْعِهِ كانَ يَسْمَعُ مُخاطَبَةَ الرَّسُولِ -ﷺ- أُولَئِكَ الكُفّارَ، وكانَ يَسْمَعُ أصْواتَهم أيْضًا، وكانَ يَعْرِفُ بِواسِطَةِ اسْتِماعِ تِلْكَ الكَلِماتِ شِدَّةَ اهْتِمامِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِشَأْنِهِمْ، فَكانَ إقْدامُهُ عَلى قَطْعِ كَلامِ النَّبِيِّ -ﷺ- وإلْقاءِ غَرَضِ نَفْسِهِ في البَيْنِ قَبْلَ تَمامِ غَرَضِ النَّبِيِّ إيذاءً لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ مَعْصِيَةٌ عَظِيمَةٌ.

وثانِيها: أنَّ الأهَمَّ مُقَدَّمٌ عَلى المُهِمِّ، وهو كانَ قَدْ أسْلَمَ وتَعَلَّمَ ما كانَ يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ، أمّا أُولَئِكَ الكُفّارُ فَما كانُوا قَدْ أسْلَمُوا، وهو إسْلامُهم سَبَبًا لِإسْلامِ جَمْعٍ عَظِيمٍ، فَإلْقاءُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ذَلِكَ الكَلامَ في البَيْنِ كالسَّبَبِ في قَطْعِ ذَلِكَ الخَيْرِ العَظِيمِ، لِغَرَضٍ قَلِيلٍ وذَلِكَ مُحَرَّمٌ.

وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾[الحُجُراتِ: ٤] فَنَهاهم عَنْ مُجَرَّدِ النِّداءِ إلّا في الوَقْتِ، فَهاهُنا هَذا

صفحة ٥١

النِّداءُ الَّذِي صارَ كالصّارِفِ لِلْكُفّارِ عَنْ قَبُولِ الإيمانِ وكالقاطِعِ عَلى الرَّسُولِ أعْظَمَ مُهِمّاتِهِ، أوْلى أنْ يَكُونَ ذَنْبًا ومَعْصِيَةً، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ الَّذِي فَعَلَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ كانَ ذَنْبًا ومَعْصِيَةً، وأنَّ الَّذِي فَعَلَهُ الرَّسُولُ كانَ هو الواجِبُ، وعِنْدَ هَذا يَتَوَجَّهُ السُّؤالُ في أنَّهُ كَيْفَ عاتَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ؟

السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا عاتَبَهُ عَلى مُجَرَّدِ أنَّهُ عَبَسَ في وجْهِهِ، كانَ تَعْظِيمًا عَظِيمًا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِمِثْلِ هَذا التَّعْظِيمِ أنْ يَذْكُرَهُ بِاسْمِ الأعْمى مَعَ أنَّ ذِكْرَ الإنْسانِ بِهَذا الوَصْفِ يَقْتَضِي تَحْقِيرَ شَأْنِهِ جِدًّا؟

السُّؤالُ الثّالِثُ: الظّاهِرُ أنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- كانَ مَأْذُونًا في أنْ يُعامِلَ أصْحابَهُ عَلى حَسَبِ ما يَراهُ مَصْلَحَةً، وأنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- كَثِيرًا ما كانَ يُؤَدِّبُ أصْحابَهُ ويَزْجُرُهم عَنْ أشْياءَ، وكَيْفَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ وهو -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- إنَّما بُعِثَ لِيُؤَدِّبَهم ولِيُعَلِّمَهم مَحاسِنَ الآدابِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ ذَلِكَ التَّعْبِيسُ داخِلًا في إذْنِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ في تَأْدِيبِ أصْحابِهِ، وإذا كانَ ذَلِكَ مَأْذُونًا فِيهِ، فَكَيْفَ وقَعَتِ المُعاتَبَةُ عَلَيْهِ؟ فَهَذا جُمْلَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَوْضِعِ مِنَ الإشْكالاتِ.

والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الأمْرَ وإنْ كانَ عَلى ما ذَكَرْتُمْ إلّا أنَّ ظاهِرَ الواقِعَةِ يُوهِمُ تَقْدِيمَ الأغْنِياءِ عَلى الفُقَراءِ وانْكِسارَ قُلُوبِ الفُقَراءِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ حَصَلَتِ المُعاتَبَةُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾[الأنْعامِ:

« الصفحة السابقة ص ١ من ۹ الصفحة التالية »