< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah081
At-Takwir (81)
The Overthrowing, makkah, 29 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
مُعْجِزًا لِلصِّرْفَةِ، إنَّما ذَهَبُوا إلى ذَلِكَ المَذْهَبِ فِرارًا مِن هَذا السُّؤالِ؛ لِأنَّ الإعْجازَ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ لَيْسَ في الفَصاحَةِ، بَلْ في سَلْبِ تِلْكَ العُلُومِ والدَّواعِي عَنِ القُلُوبِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهَ تَعالى.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرَكم بِهِ مُحَمَّدٌ مِن أمْرِ السّاعَةِ عَلى ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ لَيْسَ بِكَهانَةٍ ولا ظَنٍّ ولا افْتِعالٍ، إنَّما هو قَوْلُ جِبْرِيلَ أتاهُ بِهِ وحْيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ جِبْرِيلَ هاهُنا بِصِفاتٍ سِتٍّ.
أوَّلُها: أنَّهُ رَسُولٌ ولا شَكَّ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى الأنْبِياءِ فَهو رَسُولٌ وجَمِيعُ الأنْبِياءِ أُمَّتُهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾[النحل: ٢] وقالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾﴿عَلى قَلْبِكَ﴾[الشعراء: ١٩٣] .
وثانِيها: أنَّهُ كَرِيمٌ، ومِن كَرَمِهِ أنَّهُ يُعْطِي أفْضَلَ العَطايا، وهو المَعْرِفَةُ والهِدايَةُ والإرْشادُ.
صفحة ٦٨
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ ثُمَّ مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الشِّدَّةِ، رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ لِجِبْرِيلَ: ”ذَكَرَ اللَّهُ قُوَّتَكَ، فَماذا بَلَغْتَ ؟ قالَ رَفَعْتُ قُرَيّاتِ قَوْمِ لُوطٍ الأرْبَعَ عَلى قَوادِمِ جَناحِي حَتّى إذا سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ الكِلابِ وأصْواتَ الدَّجاجِ قَلَبْتُها“» وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّ شَيْطانًا يُقالُ لَهُ الأبْيَضُ صاحِبُ الأنْبِياءِ قَصَدَ أنْ يَفْتِنَ النَّبِيَّ ﷺ فَدَفَعَهُ جِبْرِيلُ دَفْعَةً رَقِيقَةً وقَعَ بِها مِن مَكَّةَ إلى أقْصى الهِنْدِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى القُوَّةِ في أداءِ طاعَةِ اللَّهِ وتَرْكِ الإخْلالِ بِها مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى آخِرِ زَمانِ التَّكْلِيفِ، وعَلى القُوَّةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ وفي مُطالَعَةِ جَلالِ اللَّهِ.ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ وهَذِهِ العِنْدِيَّةُ لَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ المَكانِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾[الأنبياء: ١٩] ولَيْسَتْ عِنْدِيَّةُ الجِهَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ «”أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم“» بَلْ عِنْدِيَّةُ الإكْرامِ والتَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ. وأمّا (مَكِينٌ) فَقالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ قَدْ مَكُنَ فُلانٌ عِنْدَ فُلانٍ بِضَمِّ الكافِ مَكْنًا ومَكانَةً، فَعَلى هَذا المَكِينُ هو ذُو الجاهِ الَّذِي يُعْطِي ما يُسْألُ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (ثَّمَ) إشارَةٌ إلى الظَّرْفِ المَذْكُورِ، أعْنِي ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ مُطاعٌ في مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ يُصْدِرُونَ عَنْ أمْرِهِ ويَرْجِعُونَ إلى رَأْيِهِ، وقُرِئَ ”ثُمَّ“ تَعْظِيمًا لِلْأمانَةِ وبَيانًا لِأنَّها أفْضَلُ صِفاتِهِ المَعْدُودَةِ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿أمِينٍ﴾ أيْ هو أمِينٌ عَلى وحْيِ اللَّهِ ورِسالاتِهِ، قَدْ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنَ الخِيانَةِ والزَّلَلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن فَضَّلَ جِبْرِيلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: إنَّكَ إذا وازَنْتَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ظَهَرَ التَّفاوُتُ العَظِيمُ: ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ يَعْنِي حَيْثُ تَطْلُعُ الشَّمْسُ في قَوْلِ الجَمِيعِ، وهَذا مُفَسَّرٌ في سُورَةِ النَّجْمِ ﴿وما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾أيْ وما مُحَمَّدٌ عَلى الغَيْبِ بِظَنِينٍ والغَيْبُ هاهُنا القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ الأنْباءِ والقَصَصِ والظَّنِينُ المُتَّهَمُ يُقالُ: ظَنَنْتُ زَيْدًا في مَعْنى اتَّهَمْتُهُ، ولَيْسَ مِنَ الظَّنِّ الَّذِي يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والمَعْنى ما مُحَمَّدٌ عَلى القُرْآنِ بِمُتَّهَمٍ أيْ هو ثِقَةٌ فِيما يُؤَدِّي عَنِ اللَّهِ، ومَن قَرَأ بِالضّادِ فَهو مِنَ البُخْلِ يُقالُ ضَنَنْتُ بِهِ أضِنُّ أيْ بَخِلْتُ، والمَعْنى لَيْسَ بِبَخِيلٍ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ، قالَ الفَرّاءُ: يَأْتِيهِ غَيْبُ السَّماءِ، وهو شَيْءٌ نَفِيسٌ فَلا يَبْخَلُ بِهِ عَلَيْكم، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى أنَّهُ يُخْبَرُ بِالغَيْبِ فَيُبَيِّنُهُ ولا يَكْتُمُهُ كَما يَكْتُمُ الكاهِنُ ذَلِكَ ويَمْتَنِعُ مِن