< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


سَألْتُهُ عَنْ كَذا.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِ المُجْرِمِينَ، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا الوَجْهِ كانَ يَجِبُ أنْ يَقُولُوا: ما سَلَكَهم في سَقَرَ ؟ قُلْنا: أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ، فَقالَ: المُرادُ مِن هَذا أنَّ المَسْؤُولِينَ يُلْقُونَ إلى السّائِلِينَ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ المُجْرِمِينَ، فَيَقُولُونَ: قُلْنا لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ كانُوا يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ أيْنَ هم ؟ فَلَمّا رَأوْهم قالُوا لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ والإضْماراتُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾

المَقْصُودُ مِنَ السُّؤالِ زِيادَةُ التَّوْبِيخِ والتَّخْجِيلِ، والمَعْنى: ما حَبَسَكم في هَذِهِ الدَّرَكَةِ مِنَ النّارِ ؟ فَأجابُوا بِأنَّ هَذا العَذابَ لِأُمُورٍ أرْبَعَةٍ:

أوَّلُها: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ .

وثانِيها: ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ وهَذانَ يَجِبُ أنْ يَكُونا مَحْمُولَيْنِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والزَّكاةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّ ما لَيْسَ بِواجِبٍ لا يَجُوزُ أنْ يُعَذَّبُوا عَلى تَرْكِهِ.

وثالِثُها: ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الأباطِيلُ.

ورابِعُها: ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ القِيامَةِ حَتّى أتانا اليَقِينُ، أيِ المَوْتُ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ والمَعْنى: أنّا بَقِينا عَلى إنْكارِ القِيامَةِ إلى وقْتِ المَوْتِ، وظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ مِن أُولَئِكَ الأقْوامِ كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الخِصالِ الأرْبَعَةِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفّارَ يُعَذَّبُونَ بِتَرْكِ فُرُوعِ الشَّرائِعِ، والِاسْتِقْصاءُ فِيهِ قَدْ ذَكَرْناهُ في المَحْصُولِ مِن أُصُولِ الفِقْهِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخَّرَ التَّكْذِيبَ، وهو أفْحَشُ تِلْكَ الخِصالِ الأرْبَعَةِ ؟ قُلْنا: أُرِيدَ أنَّهم بَعْدَ اتِّصافِهِمْ بِتِلْكَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ كانُوا مُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ، والغَرَضُ تَعْظِيمُ هَذا الذَّنْبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾[ البَلَدِ: ١٧] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ لِلْفُسّاقِ بِمَفْهُومِ هَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّ تَخْصِيصَ هَؤُلاءِ بِأنَّهم لا تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَهم تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾

أيْ عَنِ الذِّكْرِ وهو العِظَةُ يُرِيدُ القُرْآنَ أوْ غَيْرَهُ مِنَ المَواعِظِ، و”مُعْرِضِينَ“ نُصِبَ عَلى الحالِ؛ كَقَوْلِهِمْ: مالَكَ قائِمًا.

ثُمَّ شَبَّهَهم في نُفُورِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِحُمُرٍ نافِرَةٍ فَقالَ: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الحُمُرَ الوَحْشِيَّةَ، ومُسْتَنْفِرَةٌ أيْ نافِرَةٌ. يُقالُ: نَفَرَ واسْتَنْفَرَ مِثْلُ سَخِرَ، واسْتَسْخَرَ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ، وهي المُنَفَّرَةُ المَحْمُولَةُ عَلى النِّفارِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الكَسْرُ في مُسْتَنْفِرَةٍ أوْلى، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها هي اسْتَنْفَرَتْ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما قالَ أبُو عَلِيٍّ أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سَلامٍ قالَ: سَألْتُ أبا سَوّارٍ الغَنَوِيَّ، وكانَ أعْرابِيًّا فَصِيحًا، فَقُلْتُ: كَأنَّهم حُمُرٌ ماذا ؟ فَقالَ: مُسْتَنْفِرَةٌ طَرَدَها قَسْوَرَةٌ، قُلْتُ: إنَّما هو

صفحة ١٨٧

”﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾“، قالَ: أفَرَّتْ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: فَمُسْتَنْفِرَةٌ إذًا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَرَّتْ﴾ يَعْنِي الحُمُرَ ﴿مِن قَسْوَرَةٍ﴾ .

وذَكَرُوا في القَسْوَرَةِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّها الأسَدُ، يُقالُ: لُيُوثٌ قَساوِرُ، وهي فَعُولَةٌ مِنَ القَسْرِ وهو القَهْرُ والغَلَبَةُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَقْهَرُ السِّباعَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ إذا عايَنَتِ الأسَدَ هَرَبَتْ، كَذَلِكَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ إذا رَأوْا مُحَمَّدًا ﷺ هَرَبُوا مِنهُ، كَما يَهْرُبُ الحِمارُ مِنَ الأسَدِ، ثُمَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القَسْوَرَةُ