< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah075
Al-Qiyaama (75)
The Resurrection, makkah, 40 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
صفحة ١٨٩
(سُورَةُ القِيامَةِ)أرْبَعُونَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾
﷽
﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا في لَفْظَةِ ”﴿لا﴾“ في قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّها صِلَةٌ زائِدَةٌ، والمَعْنى أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، ونَظِيرُهُ ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾[ الحَدِيدِ: ٢٩] وقَوْلُهُ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ١٥٩] وهَذا القَوْلُ عِنْدِي ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنَّ تَجْوِيزَ هَذا يُفْضِي إلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ جَعْلُ النَّفْيِ إثْباتًا، والإثْباتِ نَفْيًا، وتَجْوِيزُهُ يُفْضِي إلى أنْ لا يَبْقى الِاعْتِمادُ عَلى إثْباتِهِ ولا عَلى نَفْيِهِ.
وثانِيها: أنَّ هَذا الحَرْفَ إنَّما يُزادُ في وسَطِ الكَلامِ لا في أوَّلِهِ، فَإنْ قِيلَ: فالكَلامُ عَلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لا نُسَلِّمُ أنَّها إنَّما تُزادُ في وسَطِ الكَلامِ، ألا تَرى إلى امْرِئِ القَيْسِ كَيْفَ زادَها في مُسْتَهَلِّ قَصِيدَتِهِ، وهي قَوْلُهُ:
لا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرُّ
الثّانِي: هَبْ أنَّ هَذا الحَرْفَ لا يُزادُ في أوَّلِ الكَلامِ إلّا أنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ كالسُّورَةِ الواحِدَةِ لِاتِّصالِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قَدْ يَذْكُرُ الشَّيْءَ في سُورَةٍ ثُمَّ يَجِيءُ جَوابُهُ في سُورَةٍ أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾[ الحِجْرِ: ٦] ثُمَّ جاءَ جَوابُهُ في سُورَةٍ أُخْرى وهو قَوْلُهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾[ القَلَمِ: ٢] وإذا كانَ كَذَلِكَ، كانَ أوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ جارِيًا مَجْرى وسَطِ الكَلامِ.والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ قَوْلَهُ ”لا وأبِيكِ“ قَسَمٌ عَنِ النَّفْيِ، وقَوْلَهُ: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ نَفْيٌ لِلْقَسَمِ، فَتَشْبِيهُ أحَدِهِما بِالآخَرِ غَيْرُ جائِزٍ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ ﴿لا أُقْسِمُ﴾ نَفْيٌ لِلْقَسَمِ، لِأنَّهُ عَلى وِزانِ قَوْلِنا: لا أقْتُلُ، لا أضْرِبُ، لا أنْصُرُ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ النَّفْيَ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ حَلَفَ لا يُقْسِمُ كانَ البِرُّ بِتَرْكِ القَسَمِ، والحِنْثُ بِفِعْلِ القَسَمِ، فَظَهَرَ أنَّ البَيْتَ
صفحة ١٩٠
المَذْكُورَ لَيْسَ مِن هَذا البابِ.وعَنِ الثّانِي: أنَّ القُرْآنَ كالسُّورَةِ الواحِدَةِ في عَدَمِ التَّناقُضِ، فَإمّا أنْ يُقْرَنَ بِكُلِّ آيَةٍ ما قُرِنَ بِالآيَةِ الأُخْرى فَذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، لِأنَّهُ يُلْزِمُ جَوازَ أنْ يُقْرَنَ بِكُلِّ إثْباتٍ حَرْفُ النَّفْيِ في سائِرِ الآياتِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي انْقِلابَ كُلِّ إثْباتٍ نَفْيًا وانْقِلابَ كُلِّ نَفْيٍ إثْباتًا، وإنَّهُ لا يَجُوزُ.
وثالِثُها: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِنا: ”لا“ صِلَةُ ”أنْ“ لَغْوٌ باطِلٌ، يَجِبُ طَرْحُهُ وإسْقاطُهُ حَتّى يَنْتَظِمَ الكَلامُ، ومَعْلُومٌ أنَّ وصْفَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ لا يَجُوزُ.
القَوْلُ الثّانِي لِلْمُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ: ما نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ ”لَأُقْسِمُ“ عَلى أنَّ اللّامَ لِلِابْتِداءِ، وأُقْسِمُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، مَعْناهُ: لَأنا أُقْسِمُ، ويُعَضِّدُهُ أنَّهُ في مُصْحَفِ عُثْمانَ بِغَيْرِ ألِفٍ واتَّفَقُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾عَلى ”لا أُقْسِمُ“، قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ أنِّي أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِشَرَفِها، ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ لِخَساسَتِها، وطَعَنَ أبُو عُبَيْدَةَ في هَذِهِ القِراءَةِ، وقالَ: لَوْ كانَ المُرادُ هَذا لَقالَ: لَأُقْسِمَنَّ، لِأنَّ العَرَبَ لا تَقُولُ: لَأفْعَلُ كَذا، وإنَّما يَقُولُونَ: لَأفْعَلَنَّ كَذا، إلّا أنَّ الواحِدِيَّ حَكى جَوازَ ذَلِكَ عَنْ سِيبَوَيْهِ والفَرّاءِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الوَجْهَ أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ شاذَّةٌ، فَهَبْ أنَّ هَذا الشّاذَّ اسْتَمَرَّ، فَما الوَجْهُ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ المُتَواتِرَةِ ؟ ولا يُمْكِنُ دَفْعُها وإلّا لَكانَ ذَلِكَ قَدْحًا فِيما ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ، وأيْضًا فَلا بُدَّ مِن إضْمارِ قَسَمٍ آخَرَ لِتَكُونَ هَذِهِ اللّامُ جَوابًا عَنْهُ، فَيَصِيرُ