< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


خَلْقِهِ في الدُّنْيا بِتَعْلِيمِ الكِتابِ والحِكْمَةِ كَما مَرَّ، وفي الآخِرَةِ بِتَفْخِيمِ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ضَرَبَ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنِ العَمَلِ بِالتَّوْراةِ، والإيمانِ بِالنَّبِيِّ ﷺ مَثَلًا فَقالَ:

﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ التَّوْحِيدَ والنُّبُوَّةَ، وبَيَّنَ في النُّبُوَّةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى الأُمِّيِّينَ واليَهُودِ لَمّا أوْرَدُوا تِلْكَ الشُّبْهَةَ، وهي أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى العَرَبِ خاصَّةً، ولَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ بِمَفْهُومِ الآيَةِ أتْبَعَهُ اللَّهُ تَعالى بِضَرْبِ المَثَلِ لِلَّذِينِ أعْرَضُوا عَنِ العَمَلِ بِالتَّوْراةِ، والإيمانِ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنَّهم لَمّا

صفحة ٦

لَمْ يَعْمَلُوا بِما في التَّوْراةِ شُبِّهُوا بِالحِمارِ، لِأنَّهم لَوْ عَمِلُوا بِمُقْتَضاها لانْتَفَعُوا بِها، ولَمْ يُورِدُوا تِلْكَ الشُّبْهَةَ، وذَلِكَ لَأنَّ فِيها نَعْتَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والبِشارَةَ بِمَقْدَمِهِ، والدُّخُولَ في دِينِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿حُمِّلُوا التَّوْراةَ﴾ أيْ حُمِّلُوا العَمَلَ بِما فِيها، وكُلِّفُوا القِيامَ بِها، وحُمِّلُوا (وقُرِئَ) بِالتَّخْفِيفِ والتَّثْقِيلِ، وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: لَيْسَ هو مِنَ الحَمْلِ عَلى الظَّهْرِ، وإنَّما هو مِنَ الحَمالَةِ بِمَعْنى الكَفالَةِ والضَّمانِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْكَفِيلِ: الحَمِيلُ، والمَعْنى: ضُمِّنُوا أحْكامَ التَّوْراةِ ثُمَّ لَمْ يَضْمَنُوها ولَمْ يَعْمَلُوا بِما فِيها. قالَ الأصْمَعِيُّ: الحَمِيلُ، الكَفِيلُ، وقالَ الكِسائِيُّ: حَمَلْتُ لَهُ حَمالَةً، أيْ كَفَلْتُ بِهِ، والأسْفارُ جَمْعُ سِفْرٍ وهو الكِتابُ الكَبِيرُ، لِأنَّهُ يُسْفِرُ عَنِ المَعْنى إذا قُرِئَ، ونَظِيرُهُ شِبْرٌ وأشْبارٌ، شَبَّهَ اليَهُودَ إذْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما في التَّوْراةِ، وهي دالَّةٌ عَلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بِالحِمارِ الَّذِي يَحْمِلُ الكُتُبَ العِلْمِيَّةَ ولا يَدْرِي ما فِيها.

وقالَ أهْلُ المَعانِي: هَذا المَثَلُ مَثَلُ مَن يَفْهَمُ مَعانِيَ القُرْآنِ ولَمْ يَعْمَلْ بِهِ، وأعْرَضَ عَنْهُ إعْراضَ مَن لا يَحْتاجُ إلَيْهِ، ولِهَذا قالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: يا أهْلَ القُرْآنِ اتَّبِعُوا القُرْآنَ قَبْلَ أنْ يَتْبَعَكم ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَحْمِلُوها﴾ أيْ لَمْ يُؤَدُّوا حَقَّها ولَمْ يَحْمِلُوها حَقَّ حَمْلِها عَلى ما بَيَّنّاهُ، فَشَبَّهَهم والتَّوْراةُ في أيْدِيهِمْ وهم لا يَعْمَلُونَ بِها بِحِمارٍ يَحْمِلُ كُتُبًا، ولَيْسَ لَهُ مِن ذَلِكَ إلّا ثِقَلُ الحِمْلِ مِن غَيْرِ انْتِفاعٍ مِمّا يَحْمِلُهُ، كَذَلِكَ اليَهُودُ لَيْسَ لَهم مِن كِتابِهِمْ إلّا وبالُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَمَّ المَثَلَ، والمُرادُ مِنهُ ذَمُّهم فَقالَ: ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ بِئْسَ القَوْمُ مَثَلًا الَّذِينَ كَذَّبُوا، كَما قالَ: ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ﴾[الأعراف: ١٧٧] ومَوْضِعُ الَّذِينَ رَفْعٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَرًّا، وبِالجُمْلَةِ لَمّا بَلَغَ كَذِبُهم مَبْلَغًا وهو أنَّهم كَذَبُوا عَلى اللَّهِ تَعالى كانَ في غايَةِ الشَّرِّ والفَسادِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ﴾ والمُرادُ بِالآياتِ هَهُنا الآياتُ الدّالَّةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ، وقِيلَ: الآياتُ التَّوْراةُ لِأنَّهم كَذَّبُوا بِها حِينَ تَرَكُوا الإيمانَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا أشْبَهُ هُنا ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَكْذِيبِ الأنْبِياءِ، وهَهُنا مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في تَعْيِينِ الحِمارِ مِن بَيْنِ سائِرِ الحَيَواناتِ ؟

نَقُولُ: لِوُجُوهٍ:

مِنها أنَّهُ تَعالى خَلَقَ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾[النحل: ٨] والزِّينَةُ في الخَيْلِ أكْثَرُ وأظْهَرُ؛ بِالنِّسْبَةِ إلى الرُّكُوبِ، وحَمْلِ الشَّيْءِ عَلَيْهِ، وفي البِغالِ دُونَ الخَيْلِ، وفي الحِمارِ دُونَ البِغالِ، فالبِغالُ كالمُتَوَسِّطِ في المَعانِي الثَّلاثَةِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الحِمارُ في مَعْنى الحَمْلِ أظْهَرَ وأغْلَبَ بِالنِّسْبَةِ إلى الخَيْلِ والبِغالِ، وغَيْرِهِما مِنَ الحَيَواناتِ.

ومِنها: أنَّ هَذا التَّمْثِيلَ لِإظْهارِ الجَهْلِ والبَلادَةِ، وذَلِكَ في الحِمارِ أظْهَرُ.

ومِنها: أنَّ في الحِمارِ مِنَ الذُّلِّ والحَقارَةِ