< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


ما لا يَكُونُ في الغَيْرِ، والغَرَضُ مِنَ الكَلامِ في هَذا المَقامِ تَعْيِيرُ القَوْمِ بِذَلِكَ وتَحْقِيرُهم، فَيَكُونُ تَعْيِينُ الحِمارِ ألْيَقَ وأوْلى، ومِنها أنَّ حَمْلَ الأسْفارِ عَلى الحِمارِ أتَمُّ وأعَمُّ وأسْهَلُ وأسْلَمُ، لِكَوْنِهِ ذَلُولًا، سَلِسَ القِيادِ، لَيِّنَ الِانْقِيادِ، يَتَصَرَّفُ فِيهِ الصَّبِيُّ الغَبِيُّ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ ومَشَقَّةٍ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما يُوجِبُ حُسْنَ الذِّكْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ.

ومِنها: أنَّ رِعايَةَ الألْفاظِ والمُناسَبَةِ بَيْنَها مِنَ اللَّوازِمِ في الكَلامِ، وبَيْنَ لَفْظَيِ الأسْفارِ والحِمارِ لَفْظِيَّةٌ لا تُوجَدُ في الغَيْرِ مِنَ الحَيَواناتِ فَيَكُونُ ذِكْرُهُ أوْلى.

الثّانِي: (يَحْمِلُ) ما مَحَلُّهُ ؟ نَقُولُ: النَّصْبُ عَلى الحالِ، أوِ الجَرُّ عَلى الوَصْفِ كَما قالَ في الكَشّافِ إذِ الحِمارُ كاللَّئِيمِ في قَوْلِهِ:

صفحة ٧

ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فَمَرَرْتُ ثَمَّةَ قُلْتُ لا يَعْنِينِي

الثّالِثُ: قالَ تَعالى: ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ﴾ كَيْفَ وُصِفَ المَثَلُ بِهَذا الوَصْفِ ؟ نَقُولُ: الوَصْفُ وإنْ كانَ في الظّاهِرِ لِلْمَثَلِ فَهو راجِعٌ إلى القَوْمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: بِئْسَ القَوْمُ قَوْمًا مَثَلُهم هَكَذا.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذا الخِطابِ لَهم وهو:

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ مِن جُمْلَةِ ما مَرَّ بَيانُهُ، وقُرِئَ: ”فَتَمَنَّوُا المَوِتِ“ بِكَسْرِ الواوِ، و”هادُوا“ أيْ تَهَوَّدُوا، وكانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، فَلَوْ كانَ قَوْلُكم حَقًّا وأنْتُمْ عَلى ثِقَةٍ فَتَمَنَّوْا عَلى اللَّهِ أنْ يُمِيتَكم ويَنْقُلَكم سَرِيعًا إلى دارِ كَرامَتِهِ الَّتِي أعَدَّها لِأوْلِيائِهِ، قالَ الشّاعِرُ:

لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيِّتٍ إنَّما المَيِّتُ مَيِّتُ الأحْياءِ

فَهم يَطْلُبُونَ المَوْتَ لا مَحالَةَ إذا كانَتِ الحالَةُ هَذِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما قَدَّمُوا مِنَ الكُفْرِ وتَحْرِيفِ الآياتِ، وذُكِرَ مَرَّةً بِلَفْظِ التَّأْكِيدِ ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾ ومَرَّةً بِدُونِ لَفْظِ التَّأْكِيدِ ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أبَدًا﴾﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ أيْ بِظُلْمِهِمْ مِن تَحْرِيفِ الآياتِ وعِنادِهِمْ لَها، ومُكابَرَتِهِمْ إيّاها.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكم ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

يَعْنِي أنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم مِن تَحْرِيفِ الآياتِ وغَيْرِهِ مُلاقِيكم لا مَحالَةَ، ولا يَنْفَعُكُمُ الفِرارُ ثُمَّ تَرُدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ يَعْنِي ما أشْهَدْتُمُ الخَلْقَ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وعالِمٌ بِما غَيَّبْتُمْ عَنِ الخَلْقِ مِن نَعْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ وما أسْرَرْتُمْ في أنْفُسِكم مِن تَكْذِيبِكم رِسالَتَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ إمّا عِيانًا مَقْرُونًا بِلِقائِكم يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ بِالجَزاءِ إنْ كانَ خَيْرًا فَخَيْرٌ. وإنْ كانَ شَرًّا فَشَرٌّ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ﴾ هو التَّنْبِيهُ عَلى السَّعْيِ فِيما يَنْفَعُهم في الآخِرَةِ وقَوْلُهُ: ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هو الوَعِيدُ البَلِيغُ والتَّهْدِيدُ الشَّدِيدُ. ثُمَّ في الآيَةِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أدْخَلَ الفاءَ لِما أنَّهُ في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ”مُلاقِيكم“ مِن غَيْرِ (فَإنَّهُ) .

صفحة ٨

الثّانِي: أنْ يُقالَ: المَوْتُ مُلاقِيهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ، فَرُّوا أوْ لَمْ يَفِرُّوا، فَما مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ ؟ قِيلَ: إنَّ هَذا عَلى جِهَةِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ إذْ ظَنُّوا أنَّ الفِرارَ يُنْجِيهِمْ، وقَدْ صَرَّحَ بِهَذا المَعْنى، وأفْصَحَ عَنْهُ بِالشَّرْطِ الحَقِيقِيِّ في قَوْلِهِ:

ومَن هابَ أسْبابَ المَنايا تَنالُهُ ولَوْ نالَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا