< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah062
Al-Jumu'a (62)
Friday, madinah, 11 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
وذَلِكَ أقْرَبُ إلى صِدْقِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ أيْ بَيِّناتِهِ الَّتِي تُبَيِّنُ رِسالَتَهُ وتُظْهِرُ نُبُوَّتَهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الآياتُ هي الآياتِ الَّتِي تَظْهَرُ مِنها الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ، والَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها الحَقُّ مِنَ الباطِلِ ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ يُطَهِّرُهم مِن خَبَثِ الشِّرْكِ، وخَبَثِ ما عَداهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، وعِنْدَ البَعْضِ (يُزَكِّيهِمْ) أيْ يُصْلِحُهم، يَعْنِي يَدْعُوهم إلى اتِّباعِ ما يَصِيرُونَ بِهِ أزْكِياءَ أتْقِياءَ ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ والكِتابُ: ما يُتْلى مِنَ الآياتِ، والحِكْمَةُ: هي الفَرائِضُ، وقِيلَ: الحِكْمَةُ السُّنَّةُ، لِأنَّهُ كانَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُعَلِّمُهم سُنَنَهُ، وقِيلَ: الكِتابُ الآياتُ نَصًّا، والحِكْمَةُ ما أُودِعَ فِيها مِنَ المَعانِي، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: الكِتابُ آياتُ القُرْآنِ والحِكْمَةُ وجْهُ التَّمَسُّكِ بِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ظاهِرٌ لِأنَّهم كانُوا عَبَدَةَ الأصْنامِ وكانُوا في ضَلالٍ مُبِينٍ وهو الشِّرْكُ، فَدَعاهُمُ الرَّسُولُ ﷺ إلى التَّوْحِيدِ والإعْراضِ عَمّا كانُوا فِيهِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ مَباحِثُ:
أحَدُها: احْتِجاجُ أهْلِ الكِتابِ بِها. قالُوا قَوْلُهُ: ﴿بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَسُولًا إلى الأُمِّيِّينَ وهُمُ العَرَبُ خاصَّةً، غَيْرَ أنَّهُ ضَعِيفٌ فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ نَفْيُ ما عَداهُ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾[العنكبوت: ٤٨] أنَّهُ لا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ يَخُطُّهُ بِشِمالِهِ، ولِأنَّهُ
صفحة ٥
لَوْ كانَ رَسُولًا إلى العَرَبِ خاصَّةً كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾[سبأ: ٢٨] لا يُناسِبُ ذَلِكَ، ولا مَجالَ لِهَذا لِما اتَّفَقُوا عَلى ذَلِكَ، وهو صِدْقُ الرِّسالَةِ المَخْصُوصَةِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كافَّةً لِلنّاسِ﴾ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ رَسُولًا إلى الكُلِّ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾
﴿وآخَرِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى الأُمِّيِّينَ. يَعْنِي بَعَثَ في آخَرِينَ مِنهم، قالَ المُفَسِّرُونَ: هُمُ الأعاجِمُ يَعْنُونَ بِهِمْ غَيْرَ العَرَبِ أيَّ طائِفَةٍ كانَتْ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي التّابِعِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِأوائِلِهِمْ، وفي الجُمْلَةِ مَعْنى جَمِيعِ الأقْوالِ فِيهِ كُلُّ مَن دَخَلَ في الإسْلامِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فالمُرادُ بِالأُمِّيِّينَ العَرَبُ. وبِالآخَرِينَ سِواهم مِنَ الأُمَمِ، وقَوْلُهُ: ﴿وآخَرِينَ﴾ مَجْرُورٌ لِأنَّهُ عُطِفَ عَلى المَجْرُورِ يَعْنِي الأُمِّيِّينَ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَطْفًا عَلى المَنصُوبِ في ﴿ويُعَلِّمُهُمُ﴾ أيْ ويُعَلِّمُهم ويُعَلِّمُ آخَرِينَ مِنهم، أيْ مِنَ الأُمِّيِّينَ، وجَعَلَهم مِنهم، لِأنَّهم إذا أسْلَمُوا صارُوا مِنهم، فالمُسْلِمُونَ كُلُّهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ وإنِ اخْتَلَفَتْ أجْناسُهم، قالَ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [ التَّوْبَةِ: ٧١] وأمّا مَن لَمْ يُؤْمِن بِالنَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يَدْخُلْ في دِينِهِ فَإنَّهم كانُوا بِمَعْزِلٍ عَنِ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿وآخَرِينَ مِنهُمْ﴾ وإنْ كانَ النَّبِيُّ مَبْعُوثًا إلَيْهِمْ بِالدَّعْوَةِ فَإنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ وغَيْرُ المُؤْمِنِينَ لَيْسَ مِن جُمْلَةِ مَن يُعَلِّمُهُ الكُتّابَ والحِكْمَةَ (وهو العَزِيزُ) مِن حَيْثُ جَعَلَ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ البَشَرِ أثَرَ الذُّلِّ لَهُ والفَقْرِ إلَيْهِ، والحَكِيمُ حَيْثُ جَعَلَ في كُلِّ مَخْلُوقٍ ما يَشْهَدُ بِوَحْدانِيَّتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ حَيْثُ ألْحَقَ العَجَمَ وأبْناءَهم بِقُرَيْشٍ، يَعْنِي إذا آمَنُوا أُلْحِقُوا في دَرَجَةِ الفَضْلِ بِمَن شاهَدَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وشارَكُوهم في ذَلِكَ، وقالَ مُقاتِلٌ: ”ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ“ يَعْنِي الإسْلامَ ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: يَعْنِي: النُّبُوَّةُ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، فاخْتَصَّ بِها مُحَمَّدًا ﷺ . واللَّهُ ذُو المَنِّ العَظِيمِ عَلى جَمِيعِ