< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah056
Al-Waaqia (56)
The Inevitable, makkah, 96 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
ذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِما بِالخَلْقِ والرِّزْقِ ولَمْ يُفِدْهُمُ الإيمانُ، قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ إنَّ وظِيفَتَكَ أنْ تَكْمُلَ في نَفْسِكَ وهو عِلْمُكَ بِرَبِّكَ وعَمَلُكَ لِرَبِّكَ:﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾[طه: ١٣٠] في مَوْضِعٍ آخَرَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: التَّسْبِيحُ التَّنْزِيهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ فَما فائِدَةُ ذِكْرِ الِاسْمِ ولَمْ يَقُلْ: فَسَبِّحْ بِرَبِّكَ العَظِيمِ ؟ فَنَقُولُ الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: هو المَشْهُورُ وهو أنَّ الِاسْمَ مُقْحَمٌ، وعَلى هَذا الجَوابِ فَنَقُولُ: فِيهِ فائِدَةٌ زِيادَةُ التَّعْظِيمِ؛ لِأنَّ مَن عَظَّمَ عَظِيمًا وبالَغَ في تَعْظِيمِهِ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَهُ إلّا وعَظَّمَهُ، فَلا يَذْكُرُ اسْمَهُ في مَوْضِعٍ وضِيعٍ ولا عَلى وجْهِ الِاتِّفاقِ كَيْفَما اتَّفَقَ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يُعَظِّمُ شَخْصًا عِنْدَ حُضُورِهِ رُبَّما لا يُعَظِّمُهُ عِنْدَ غَيْبَتِهِ فَيَذْكُرُهُ بِاسْمِ عَلَمِهِ، فَإنْ كانَ بِمَحْضَرٍ مِنهُ لا يَقُولُ ذَلِكَ، فَإذا عَظُمَ عِنْدَهُ لا يَذْكُرُهُ في حُضُورِهِ وغَيْبَتِهِ إلّا بِأوْصافِ العَظَمَةِ، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا فَما فائِدَةُ الباءِ وكَيْفَ صارَ ذَلِكَ، ولَمْ يَقُلْ: فَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ العَظِيمِ، أوِ الرَّبَّ العَظِيمَ، نَقُولُ: قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا أنَّ الفِعْلَ إذا كانَ تَعَلُّقُهُ بِالمَفْعُولِ ظاهِرًا غايَةَ الظُّهُورِ لا يَتَعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفٍ فَلا يُقالُ: ضَرَبْتُ بِزَيْدٍ بِمَعْنى ضَرَبْتُ زَيْدًا، وإذا كانَ في غايَةِ الخَفاءِ لا يَتَعَدّى إلَيْهِ إلّا بِحَرْفٍ فَلا يُقالُ: ذَهَبْتُ زَيْدًا بِمَعْنى ذَهَبْتُ بِزَيْدٍ، وإذا كانَ بَيْنَهُما جازَ الوَجْهانِ فَنَقُولُ: سَبَّحْتُهُ وسَبَّحْتُ بِهِ وشَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَمّا عَلَّقَ التَّسْبِيحَ بِالِاسْمِ وكانَ الِاسْمُ مُقْحَمًا كانَ التَّسْبِيحُ في الحَقِيقَةِ مُتَعَلِّقًا بِغَيْرِهِ وهو الرَّبُّ وكانَ التَّعَلُّقُ خَفِيًّا مِن وجْهٍ فَجازَ إدْخالُ الباءِ، فَإنْ قِيلَ: إذا جازَ الإسْقاطُ والإثْباتُ فَما الفَرْقُ بَيْنَ هَذا المَوْضِعِ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ؟ فَنَقُولُ: هَهُنا تَقْدِيمُ الدَّلِيلِ عَلى العَظَمَةِ أنْ يُقالَ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِاسْمِ﴾ غَيْرُ زائِدَةٍ، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الأُمُورَ وقالَ: نَحْنُ أمْ أنْتُمْ، فاعْتَرَفَ الكُلُّ بِأنَّ الأُمُورَ مِنَ اللَّهِ، وإذا طُولِبُوا بِالوَحْدانِيَّةِ قالُوا: نَحْنُ لا نُشْرِكُ في المَعْنى وإنَّما نَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً في الِاسْمِ ونُسَمِّيها آلِهَةً، والَّذِي خَلَقَها وخَلَقَ السَّماواتِ هو اللَّهُ فَنَحْنُ نُنَزِّهُهُ في الحَقِيقَةِ فَقالَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ وكَما أنَّكَ أيُّها العاقِلُ اعْتَرَفْتَ بِعَدَمِ اشْتِراكِهِما في الحَقِيقَةِ اعْتَرِفْ بِعَدَمِ اشْتِراكِهِما في الِاسْمِ، ولا تَقُلْ لِغَيْرِهِ إلَهٌ، فَإنَّ الِاسْمَ يَتْبَعُ المَعْنى والحَقِيقَةَ، وعَلى هَذا فالخِطابُ لا يَكُونُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ يَكُونُ كَما يَقُولُ الواعِظُ: يا مِسْكِينُ أفْنَيْتَ عُمُرَكَ وما أصْلَحْتَ عَمَلَكَ، ولا يُرِيدُ أحَدًا بِعَيْنِهِ، وتَقْدِيرُهُ يا أيُّها المِسْكِينُ السّامِعُ.
وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذِكْرِ رَبِّكَ، أيْ إذا قُلْتَ: وتَوَلَّوْا، فَسَبِّحْ رَبَّكَ بِذِكْرِ اسْمِهِ بَيْنَ قَوْمِكَ واشْتَغِلْ بِالتَّبْلِيغِ، والمَعْنى اذْكُرْهُ بِاللِّسانِ والقَلْبِ وبَيِّنْ وصْفَهُ لَهم وإنْ لَمْ يَقْبَلُوا فَإنَّكَ مُقْبِلٌ عَلى شُغْلِكَ الَّذِي هو التَّبْلِيغُ، ولَوْ قالَ: فَسَبِّحْ رَبَّكَ، ما أفادَ الذِّكْرَ لَهم، وكانَ يُنْبِئُ عَنِ التَّسْبِيحِ بِالقَلْبِ، ولَمّا قالَ: فَسَبِّحْ باسْمِ رَبِّكَ، والِاسْمُ هو الَّذِي يُذْكَرُ لَفْظًا، دَلَّ عَلى أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالذِّكْرِ اللِّسانِيِّ ولَيْسَ لَهُ أنْ يَقْتَصِرَ عَلى الذِّكْرِ القَلْبِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: فَسَبِّحْ مُبْتَدِئًا بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ فَلا تَكُونُ الباءُ زائِدَةً.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كَيْفَ يُسَبَّحُ رَبُّنا؟ نَقُولُ: إمّا مَعْنًى، فَبِأنْ يُعْتَقَدَ فِيهِ أنَّهُ واحِدٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الشَّرِيكِ وقادِرٌ
صفحة ١٦٢
بَرِيءٌ عَنِ العَجْزِ فَلا يَعْجِزُ عَنِ الحَشْرِ، وإمّا لَفْظًا فَبِأنْ يُقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ وسُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ، وسُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أوْ ما يَقُومُ مَقامَهُ مِنَ الكَلامِ الدّالِّ عَلى تَنْزِيهِهِ