< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah056
Al-Waaqia (56)
The Inevitable, makkah, 96 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
خَفِيٌّ يَطُولُ ذِكْرُهُ، والوَضْعُ يَدُلُّ عَلَيْهِ في الثُّلاثِيِّ. وقَوْلُهُ تَعالى:﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾[الواقعة: ٦٦ - ٦٧] وفِيهِ وجْهانِ:
أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: كَأنَّما هو كَلامٌ مُقَدَّرٌ عَنْهم كَأنَّهُ يَقُولُ: وحِينَئِذٍ يَحِقُّ أنْ تَقُولُوا: إنّا لَمُعَذَّبُونَ دائِمُونَ في العَذابِ.
وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي: فَيَقُولُونَ: إنّا لَمُعَذَّبُونَ ومَحْرُومُونَ عَنْ إعادَةِ الزَّرْعِ مَرَّةً أُخْرى، يَقُولُونَ: إنّا لَمُعَذَّبُونَ بِالجُوعِ بِهَلاكِ الزَّرْعِ ومَحْرُومُونَ عَنْ دَفْعِهِ بِغَيْرِ الزَّرْعِ لِفَواتِ الماءِ. والوَجْهُ الثّانِي: في الغُرْمِ إنّا لَمُكْرَهُونَ بِالغَرامَةِ مِن غَرِمَ الرَّجُلُ وأصْلُ الغُرْمِ والغَرامِ لُزُومُ المَكْرُوهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ .
خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ ألْطَفُ وأنْظَفُ، أوْ تَذْكِيرًا لَهم بِالإنْعامِ عَلَيْهِمْ، والمُزْنُ السَّحابُ الثَّقِيلُ بِالماءِ لا بِغَيْرِهِ مِن أنْواعِ العَذابِ يَدُلُّ عَلى ثِقَلِهِ قَلْبُ اللَّفْظِ وعَلى مُدافَعَةِ الأمْرِ وهو النَّزْمُ في بَعْضِ اللُّغاتِ السَّحابُ الَّذِي مَسَّ الأرْضَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الأُجاجِ أنَّهُ الماءُ المُرُّ مِن شِدَّةِ المُلُوحَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ هو الحارُّ مِن أجِيجِ النّارِ كالحُطامِ مِنَ الحَطِيمِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾[الفرقان: ٥٣] ذَكَرَ في الماءِ الطَّيِّبِ صِفَتَيْنِ إحْداهُما عائِدَةٌ إلى طَعْمِهِ والأُخْرى عائِدَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ مَلْمَسِهِ وهي البُرُودَةُ واللَّطافَةُ، وفي الماءِ الآخَرِ أيْضًا صِفَتَيْنِ إحْداهُما عائِدَةٌ إلى طَعْمِهِ والأُخْرى عائِدَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ مَلْمَسِهِ وهي الحَرارَةُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ لَمْ يَقُلْ عِنْدَ ذِكْرِ الطَّعامِ الشُّكْرَ وذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ في المَأْكُولِ أكْلَهم، فَلَمّا لَمْ يَقُلْ: تَأْكُلُونَ لَمْ يَقُلْ: تَشْكُرُونَ وقالَ في الماءِ: ﴿تَشْرَبُونَ﴾ فَقالَ: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ .
والثّانِي: أنَّ في المَأْكُولِ قالَ: ﴿تَحْرُثُونَ﴾ فَأثْبَتَ لَهم سَعْيًا فَلَمْ يَقُلْ: تَشْكُرُونَ وقالَ في الماءِ: ﴿أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ﴾ لا عَمَلَ لَكم فِيهِ أصْلًا فَهو مَحْضُ النِّعْمَةِ فَقالَ: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو الأحْسَنُ أنْ يُقالَ: النِّعْمَةُ لا تَتِمُّ إلّا عِنْدَ الأكْلِ والشُّرْبِ ألا تَرى أنَّ في البَرارِيِّ الَّتِي لا يُوجَدُ فِيها الماءُ لا يَأْكُلُ الإنْسانُ شَيْئًا مَخافَةَ العَطَشِ، فَلَمّا ذَكَرَ المَأْكُولَ أوَّلًا وأتَمَّهُ بِذِكْرِ المَشْرُوبِ ثانِيًا قالَ: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ التّامَّةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أيْ تَقْدَحُونَ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ وفي شَجَرَةِ النّارِ وجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّها الشَّجَرَةُ الَّتِي تُورِي النّارَ مِنها بِالزَّنْدِ والزَّنْدَةِ كالمَرْخِ.
وثانِيها: الشَّجَرَةُ الَّتِي تَصْلُحُ لِإيقادِ النّارِ كالحَطَبِ فَإنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ لَمْ يَسْهُلْ إيقادُ النّارِ؛ لَأنَّ النّارَ لا تَتَعَلَّقُ بِكُلِّ شَيْءٍ كَما تَتَعَلَّقُ بِالحَطَبِ.
وثالِثُها: أُصُولُ شَعْلِها ووَقُودُ شَجَرَتِها ولَوْلا كَوْنُها ذاتَ شَعْلٍ لَما صَلَحَتْ لِإنْضاجِ الأشْياءِ والباقِي ظاهِرٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿تَذْكِرَةً﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: تَذْكِرَةً لِنارِ القِيامَةِ فَيَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَخْشى اللَّهَ تَعالى وعَذابَهُ إذا رَأى النّارَ المُوقَدَةَ.
وثانِيهِما: تَذْكِرَةً بِصِحَّةِ البَعْثِ؛ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إيداعِ النّارِ في الشَّجَرِ الأخْضَرِ لا يَعْجِزُ عَنْ إيداعِ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ في بَدَنِ المَيِّتِ وقَدْ ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا﴾[يس: ٨٠] والمُقْوِي: هو الَّذِي
صفحة ١٦١
أوْقَدَهُ فَقَوّاهُ وزادَهُ وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهو أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ كَوْنَها تَذْكِرَةً عَلى كَوْنِها مَتاعًا لِيُعْلَمَ أنَّ الفائِدَةَ الأُخْرَوِيَّةَ أتَمُّ وبِالذِّكْرِ أهَمُّ.* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:المَسْألَةُ الأُولى: في وجْهِ تَعَلُّقِهِ بِما قَبْلَهُ ؟ نَقُولُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حالَ المُكَذِّبِينَ بِالحَشْرِ والوَحْدانِيَّةِ