< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah056
Al-Waaqia (56)
The Inevitable, makkah, 96 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
نَقَلَهُ الواحِدِيُّ عَنِ الفَرّاءِ: أنَّ العَرَبَ تُتْبِعُ كُلَّ مَنفِيٍّ بِكَرِيمٍ إذا كانَ المَنفِيُّ أكْرَمَ فَيُقالُ: هَذِهِ الدّارُ لَيْسَتْ بِواسِعَةٍ ولا كَرِيمَةٍ، والتَّحْقِيقُ فِيهِ ما ذَكَرْنا أنَّ وصْفَ الكَمالِ إمّا حِسِّيٌّ، وإمّا عَقْلِيٌّ، والحِسِّيُّ يُصَرَّحُ بِلَفْظِهِ، وأمّا العَقْلِيُّ فَلِخَفائِهِ عَنِ الحِسِّ يُشارُ إلَيْهِ بِلَفْظٍ جامِعٍ؛ لِأنَّ الكَرامَةَ، والكَرامَةُ عِنْدَ العَرَبِ مِن أشْهَرِ أوْصافِ المَدْحِ، ونَفْيُهُما نَفْيُ وصْفِ الكَمالِ العَقْلِيِّ، فَيَصِيرُ قَوْلُهُ تَعالى:﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ مَعْناهُ لا مَدْحَ فِيهِ أصْلًا لا حِسًّا ولا عَقْلًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ وفي الآياتِ لَطائِفُ، نَذْكُرُها في مَسائِلَ:المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في بَيانِ سَبَبِ كَوْنِهِمْ في العَذابِ مَعَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ كَوْنِ أصْحابِ اليَمِينِ في النَّعِيمِ، ولَمْ يَقُلْ: إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ شاكِرِينَ مُذْعِنِينَ ؟ فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ إيصالِ الثَّوابِ لا يَذْكُرُ أعْمالَ العِبادِ الصّالِحَةَ، وعِنْدَ إيصالِ العِقابِ يَذْكُرُ أعْمالَ المُسِيئِينَ؛ لِأنَّ الثَّوابَ فَضْلٌ والعِقابَ عَدْلٌ، والفَضْلُ سَواءٌ ذُكِرَ سَبَبُهُ أوْ لَمْ يُذْكَرْ لا يُتَوَهَّمُ في المُتَفَضِّلِ بِهِ نَقْصٌ وظُلْمٌ، وأمّا العَدْلُ فَإنْ لَمْ يُعْلَمْ سَبَبُ العِقابِ، يُظَنُّ أنَّ هُناكَ ظُلْمًا فَقالَ: هم فِيها بِسَبَبِ تَرَفِهِمْ، والَّذِي يُؤَيِّدُ هَذِهِ اللَّطِيفَةَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في حَقِّ السّابِقِينَ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾[الواقعة: ٢٤] ولَمْ يَقُلْ: في حَقِّ أصْحابِ اليَمِينِ، ذَلِكَ لِأنّا أشَرْنا أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ هُمُ النّاجُونَ بِالفَضْلِ العَظِيمِ، وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾[الواقعة: ٩١] وإذا كانَ كَذَلِكَ فالفَضْلُ في حَقِّهِمْ مُتَمَحِّضٌ فَقالَ: هَذِهِ النِّعَمُ لَكم، ولَمْ يَقُلْ جَزاءً؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”جَزاءً“ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ، وهو مَوْضِعُ العَفْوِ عَنْهم، لا يُثِيبُ لَهم سُرُورًا بِخِلافِ مَن كَثُرَتْ حَسَناتُهُ، فَيُقالُ لَهُ: نِعْمَ ما فَعَلْتَ خُذْ هَذا لَكَ جَزاءً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: جُعِلَ السَّبَبَ كَوْنُهم مُتْرَفِينَ ولَيْسَ كُلُّ مَن هو مِن أصْحابِ الشِّمالِ يَكُونُ مُتْرَفًا فَإنَّ فِيهِمْ مَن يَكُونُ فَقِيرًا ؟ نَقُولُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ لَيْسَ بِذَمٍّ، فَإنَّ المُتْرَفَ هو الَّذِي جُعِلَ ذا تَرَفٍ أيْ نِعْمَةٍ، فَظاهِرُ ذَلِكَ لا يُوجِبُ ذَمًّا، لَكِنَّ ذَلِكَ يُبَيِّنُ قُبْحَ ما ذُكِرَ عَنْهم بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾؛ لِأنَّ صُدُورَ الكُفْرانِ مِمَّنْ عَلَيْهِ غايَةُ الإنْعامِ أقْبَحُ القَبائِحِ فَقالَ: إنَّهم كانُوا مُتْرَفِينَ، ولَمْ يَشْكُرُوا نِعَمَ اللَّهِ بَلْ أصَرُّوا عَلى الذَّنْبِ وعَلى هَذا فَنَقُولُ: النِّعَمُ الَّتِي تَقْتَضِي شُكْرَ اللَّهِ وعِبادَتَهُ في كُلِّ أحَدٍ كَثِيرَةٌ فَإنَّ الخَلْقَ والرِّزْقَ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ وتَتَوَقَّفُ مَصالِحُهُ عَلَيْهِ حاصِلٌ لِلْكُلِّ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ حالَ النّاسِ في الإتْرافِ مُتَقارِبٌ، فَيُقالُ في حَقِّ البَعْضِ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضٍ: إنَّهُ في ضُرٍّ، ولَوْ حَمَلَ نَفْسَهُ عَلى القَناعَةِ لَكانَ أغْنى
صفحة ١٤٩
الأغْنِياءِ وكَيْفَ لا والإنْسانُ إذا نَظَرَ إلى حالِهِ يَجِدُها مُفْتَقِرَةً إلى مَسْكَنٍ يَأْوِي إلَيْهِ ولِباسِ الحَرِّ والبَرْدِ وما يَسُدُّ جُوعَهُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، وغَيْرِ هَذا مِنَ الفَضَلاتِ الَّتِي يَحْمِلُ عَلَيْها شُحُّ النَّفْسِ، ثُمَّ إنَّ أحَدًا لا يُغْلَبُ عَنْ تَحْصِيلِ مَسْكَنٍ بِاشْتِراءٍ أوِ اكْتِراءٍ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَلَيْسَ هو أعْجَزَ مِنَ الحَشَراتِ، لا تَفْقِدُ مُدَّخَلًا أوْ مَغارَةً، وأمّا اللِّباسُ فَلَوِ اقْتَنَعَ بِما يَدْفَعُ الضَّرُورَةَ كانَ يَكْفِيهِ في عُمُرِهِ لِباسٌ واحِدٌ، كُلَّما تَمَزَّقَ مِنهُ مَوْضِعٌ يَرْقَعُهُ مِن أيِّ شَيْءٍ كانَ، بَقِيَ أمْرُ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، فَإذا نَظَرَ النّاظِرُ يَجِدُ كُلَّ أحَدٍ في جَمِيعِ