< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah056
Al-Waaqia (56)
The Inevitable, makkah, 96 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
فِيهِ غَيْرَ أنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّ السَّمُومَ قَدْ تُرى بِالنَّهارِ بِسَبَبِ كَثافَتِها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الحَمِيمُ هو الماءُ الحارُّ وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مِن حَمِمَ الماءُ بِكَسْرِ المِيمِ، أوْ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن حَمَّ الماءَ إذا سَخَّنَهُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا غَيْرَ أنَّ هَهُنا لَطِيفَةً لُغَوِيَّةً: وهي أنَّ فَعُولًا لَمّا تَكَرَّرَ مِنهُ الشَّيْءُ والرِّيحَ لَمّا كانَتْ كَثِيرَةَ الهُبُوبِ تَهُبُّ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ خُصَّ السَّمُومُ بِالفَعُولِ، والماءُ الحارُّ لَمّا كانَ لا يُفْهَمُ مِنهُ الوُرُودُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ لَمْ يُقَلْ فِيهِ: حَمُومٌ، فَإنْ قِيلَ: ما اليَحْمُومُ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
أوَّلُها: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ.
ثانِيها: أنَّهُ الدُّخانُ.
ثالِثُها: أنَّهُ الظُّلْمَةُ، وأصْلُهُ مِنَ الحُمَمِ وهو الفَحْمُ فَكَأنَّهُ لِسَوادِهِ فَحْمٌ فَسَمَّوْهُ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ مِنهُ، وزِيادَةُ الحَرْفِ فِيهِ لِزِيادَةِ ذَلِكَ المَعْنى فِيهِ، ورُبَّما تَكُونُ الزِّيادَةُ فِيهِ جاءَتْ لِمَعْنَيَيْنِ: الزِّيادَةُ في سَوادِهِ والزِّيادَةُ في حَرارَتِهِ، وفي الأُمُورِ الثَّلاثَةِ إشارَةٌ إلى دُونِهِمْ في العَذابِ دائِمًا؛ لِأنَّهم إنْ تَعَرَّضُوا لِمَهَبِّ الهَواءِ أصابَهُمُ الهَواءُ الَّذِي هو السَّمُومُ، وإنِ اسْتَكَنُّوا كَما يَفْعَلُهُ الَّذِي يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ السَّمُومَ بِالِاسْتِكْنانِ في الكِنِّ يَكُونُوا في ظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ، وإنْ أرادُوا الرَّدَّ عَنْ أنْفُسِهِمُ السَّمُومَ بِالِاسْتِكْنانِ في مَكانٍ مِن حَمِيمٍ فَلا انْفِكاكَ لَهم مِن عَذابِ الحَمِيمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: فِيهِ تَرْتِيبٌ وهو أنَّ السَّمُومَ يَضْرِبُهُ فَيَعْطَشُ وتَلْتَهِبُ نارُ السَّمُومِ في أحْشائِهِ فَيَشْرَبُ الماءَ فَيُقَطِّعُ أمْعاءَهُ ويُرِيدُ الِاسْتِظْلالَ بِظِلٍّ فَيَكُونُ ذَلِكَ الظِّلُّ ظِلَّ اليَحْمُومِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وجْهُ اسْتِعْمالِ (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن يَحْمُومٍ﴾ ؟ فَنَقُولُ: إنْ قُلْنا إنَّهُ اسْمُ جَهَنَّمَ فَهو لِابْتِداءِ الغايَةِ كَما تَقُولُ: جاءَنِي نَسِيمٌ مِنَ الجَنَّةِ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ دُخانٌ فَهو كَما في قَوْلِنا: خاتَمٌ مِن فِضَّةٍ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ الظُّلْمَةُ فَكَذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِجَهَنَّمَ مَعَ أنَّهُ اسْمٌ مُنْصَرِفٌ مُنَكَّرٌ فَكَيْفَ وُضِعَ لِمَكانٍ مُعَرَّفٍ، ولَوْ كانَ اسْمًا لَها ؟ قُلْنا: اسْتِعْمالُهُ بِالألِفِ واللّامِ كالجَحِيمِ، أوْ كانَ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ كَأسْماءِ جَهَنَّمَ يَكُونُ مِثْلَهُ عَلى ثَلاثَةِ مَواضِعَ كُلُّها يَحْمُومٌ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَرَمُ الظِّلِّ نَفْعُهُ المَلْهُوفَ، ودَفْعُهُ أذى الحَرِّ عَنْهُ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ البارِدُ والكَرِيمُ بِمَعْنًى واحِدٍ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: فائِدَةُ الظِّلِّ أمْرانِ: أحَدُهُما دَفْعُ الحَرِّ، والآخَرُ كَوْنُ الإنْسانِ فِيهِ مُكْرَمًا، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ في البَرْدِ يَقْصِدُ عَيْنَ الشَّمْسِ لِيَتَدَفَّأ بِحَرِّها إذا كانَ قَلِيلَ الثِّيابِ، فَإذا كانَ مِنَ المُكْرَمِينَ يَكُونُ أبَدًا في مَكانٍ يَدْفَعُ الحَرَّ والبَرْدَ عَنْ نَفْسِهِ في الظِّلِّ، أمّا الحَرُّ فَظاهِرٌ،
صفحة ١٤٨
وأمّا البَرْدُ فَيَدْفَعُهُ بِإدْفاءِ المَوْضِعِ بِإيقادِ ما يُدْفِئُهُ، فَيَكُونُ الظِّلُّ في الحَرِّ مَطْلُوبًا لِلْبَرْدِ فَيُطْلَبُ لِكَوْنِهِ بارِدًا، وفي البَرْدِ يُطْلَبُ لِكَوْنِهِ ذا كَرامَةٍ لا لِبَرْدٍ يَكُونُ في الظِّلِّ فَقالَ: ﴿لا بارِدٍ﴾ يُطْلَبُ لِبَرْدِهِ، ولا ذِي كَرامَةٍ قَدْ أُعِدَّ لِلْجُلُوسِ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَواضِعَ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها ظِلٌّ كالمَواضِعِ الَّتِي تَحْتَ أشْجارٍ وأمامَ الجِدارِ يُتَّخَذُ مِنها مَقاعِدُ فَتَصِيرُ تِلْكَ المَقاعِدُ مَحْفُوظَةً عَنِ القاذُوراتِ، وباقِي المَواضِعِ تَصِيرُ مَزابِلَ، ثُمَّ إذا وقَعَتِ الشَّمْسُ في بَعْضِ الأوْقاتِ عَلَيْها تُطْلَبُ لِنَظافَتِها، وكَوْنِها مُعَدَّةً لِلْجُلُوسِ، فَتَكُونُ مَطْلُوبَةً في مِثْلِ هَذا الوَقْتِ لِأجْلِ كَرامَتِها لا لِبَرْدِها، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾يَحْتَمِلُ هَذا، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّ الظِّلَّ يُطْلَبُ لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى الحِسِّ، أوْ لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى العَقْلِ، فالَّذِي يَرْجِعُ إلى الحِسِّ هو بَرْدُهُ، والَّذِي يَرْجِعُ إلى العَقْلِ أنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ كَرامَةً، وهَذا لا بَرْدَ لَهُ ولا كَرامَةَ فِيهِ، وهَذا هو المُرادُ بِما