< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾[فاطر: ٨] وقالَ تَعالى: ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾[المؤمنون: ٢٧] فَقالَ نُوحٌ: يا إلَهِي إنَّ نَفْسِي غَلَبَتْنِي وقَدْ أمَرَتْنِي بِالدُّعاءِ عَلَيْهِمْ فَأهْلِكْهم. فَيَكُونُ مَعْناهُ [إنِّي] مَغْلُوبٌ بِحُكْمِ البَشَرِيَّةِ أيْ غُلِبْتُ وعِيلَ صَبْرِي فانْتَصِرْ لِي مِنهم لا مِن نَفْسِي.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”فانْتَصِرْ“ مَعْناهُ انْتَصِرْ لِي أوْ لِنَفْسِكَ فَإنَّهم كَفَرُوا بِكَ وفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: فانْتَصِرْ لِي مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ مَغْلُوبٌ.

ثانِيها: فانْتَصِرْ لَكَ ولِدِينِكَ فَإنِّي غُلِبْتُ وعَجَزْتُ عَنِ الِانْتِصارِ لِدِينِكَ.

ثالِثُها: فانْتَصِرْ لِلْحَقِّ ولا يَكُونُ فِيهِ ذِكْرُهُ ولا ذِكْرُ رَبِّهِ، وهَذا يَقُولُهُ قَوِيُّ النَّفْسِ بِكَوْنِ الحَقِّ مَعَهُ، يَقُولُ القائِلُ: اللَّهُمَّ أهْلِكِ الكاذِبَ مِنّا، وانْصُرِ المُحِقَّ مِنّا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ عَقِيبَ دُعائِهِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِنَ الفَتْحِ والأبْوابِ والسَّماءِ حَقائِقُها أوْ هو مَجازٌ ؟ نَقُولُ: فِيهِ قَوْلانِ أحَدُهُما: حَقائِقُها ولِلسَّماءِ أبْوابٌ تُفْتَحُ وتُغْلَقُ ولا اسْتِبْعادَ فِيهِ. وثانِيهِما: هو عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ الماءَ كانَ مِنَ السَّحابِ، وعَلى هَذا فَهو كَما يَقُولُ القائِلُ في المَطَرِ الوابِلِ جَرَتْ مَيازِيبُ السَّماءِ، وفُتِحَ أفْواهُ القِرَبِ أيْ: كَأنَّهُ ذَلِكَ، فالمَطَرُ في الطُّوفانِ كانَ بِحَيْثُ يَقُولُ القائِلَ: فُتِحَتْ أبْوابُ السَّماءِ، ولا شَكَّ أنَّ المَطَرَ مِن فَوْقُ كانَ في غايَةِ الهَطَلانِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَتَحْنا﴾ بَيانُ أنَّ اللَّهَ انْتَصَرَ مِنهم وانْتَقَمَ بِماءٍ لا بِجُنْدٍ أنْزَلَهُ، كَما قالَ

صفحة ٣٤

تَعالى: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾[يس: ٢٨، ٢٩] بَيانًا لِكَمالِ القُدْرَةِ، ومِنَ العَجِيبِ أنَّهم كانُوا يَطْلُبُونَ المَطَرَ سِنِينَ فَأهْلَكَهم بِمَطْلُوبِهِمْ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ما وجْهُهُ، وكَيْفَ مَوْقِعُهُ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: كَما هي في قَوْلِ القائِلِ: فَتَحْتُ البابَ بِالمِفْتاحِ وتَقْدِيرُهُ هو أنْ يَجْعَلَ كَأنَّ الماءَ جاءَ وفَتَحَ البابَ، وعَلى هَذا تَفْسِيرُ قَوْلِ مَن يَقُولُ: يَفْتَحُ اللَّهُ لَكِ بِخَيْرٍ، أيْ يُقَدِّرُ خَيْرًا يَأْتِي ويَفْتَحُ البابَ، وعَلى هَذا فَفِيهِ لَطِيفَةٌ وهي مِن بَدائِعِ المَعانِي، وهي أنْ يُجْعَلَ المَقْصُودُ مُقَدَّمًا في الوُجُودِ، ويَقُولُ: كَأنَّ مَقْصُودَكَ جاءَ إلى بابٍ مُغْلَقٍ فَفَتَحَهُ وجاءَكَ، وكَذَلِكَ قَوْلُ القائِلِ: لَعَلَّ اللَّهَ يَفْتَحُ بِرِزْقٍ، أيْ يُقَدِّرُ رِزْقًا يَأْتِي إلى البابِ الَّذِي كالمُغْلَقِ فَيَدْفَعُهُ ويَفْتَحُهُ، فَيَكُونُ اللَّهُ قَدْ فَتَحَهُ بِالرِّزْقِ.

ثانِيهُما: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ مَقْرُونَةٌ ﴿بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ والِانْهِمارُ الِانْسِكابُ والِانْصِبابُ صَبًّا شَدِيدًا، والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ المَطَرَ يَخْرُجُ مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي السَّحابُ خُرُوجَ مُتَرَشِّحٍ مِن ظَرْفِهِ، وفي ذَلِكَ اليَوْمِ كانَ يَخْرُجُ خُرُوجَ مُرْسَلٍ خارِجٍ مِن بابٍ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ وفِيهِ مِنَ البَلاغَةِ ما لَيْسَ في قَوْلِ القائِلِ: وفَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ، وهَذا بَيانُ التَّمْيِيزِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ، إذا قُلْتَ: ضاقَ زَيْدٌ ذَرْعًا، أثْبَتَ ما لا يُثْبِتُهُ قَوْلُكَ ضاقَ ذَرْعُ زَيْدٍ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ ولَمْ يَقُلْ فَفَتَحْنا السَّماءَ أبْوابًا؛ لِأنَّ السَّماءَ أعْظَمُ مِنَ الأرْضِ وهي لِلْمُبالَغَةِ، ولِهَذا قالَ: ﴿أبْوابَ السَّماءِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: أنابِيبُ ولا مَنافِذُ ولا مَجارِي أوْ غَيْرُها.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾فَهو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: وفَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ حَقِيقَةً لا مُبالَغَةَ فِيهِ، ويَكْفِي في صِحَّةِ ذَلِكَ القَوْلِ أنْ يَجْعَلَ في الأرْضِ عُيُونًا ثَلاثَةً، ولا يَصْلُحُ مَعَ هَذا في السَّماءِ إلّا قَوْلُ القائِلِ: فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً أوْ مِياهًا، ومِثْلُ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ