< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الجَوْهَرُ الفَرْدُ فَإنَّ الِاثْنَيْنِ مِنهُ أصْغَرُ مِنَ الثَّلاثَةِ، ولَوْلا أنَّ حَجْمًا يَزْدادُ بِهِ الِامْتِدادُ، وإلّا لَما حَصَلَ دُونَ الِامْتِدادِ فِيهِ، وأمّا القائِمُ بِالجَوْهَرِ فَلَهُ نِهايَةٌ وبِدايَةٌ، فَمِقْدارُ العُلُومِ الحادِثَةِ والقُدُرُ المَخْلُوقَةُ مُتَناهِيَةٌ، وأمّا الصِّفَةُ فَلِأنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ ابْتُدِئَ زَمانًا فَلَهُ مِقْدارٌ في البَقاءِ لِكَوْنِ كُلِّ شَيْءٍ حادِثًا، فَإنْ قِيلَ: اللَّهُ تَعالى وُصِفَ بِهِ، ولا مِقْدارَ لَهُ ولا ابْتِداءَ لِوُجُودِهِ، نَقُولُ: المُتَكَلِّمُ إذا كانَ مَوْصُوفًا بِصِفَةٍ أوْ مُسَمًّى بِاسْمٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الأشْياءَ المُسَمّاةَ بِذَلِكَ الِاسْمِ أوِ الأشْياءَ المَوْصُوفَةَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، وأسْنَدَ فِعْلًا مِن أفْعالِهِ إلَيْهِ يَخْرُجُ هو عَنْهُ، كَما يَقُولُ القائِلُ: رَأيْتُ جَمِيعَ مَن في هَذا البَيْتِ فَرَأيْتُهم كُلُّهم أكْرَمَنِي، ويَقُولُ: ما في البَيْتِ أحَدٌ إلّا وضَرَبَنِي أوْ ضَرَبْتُهُ يَخْرُجُ هو عَنْهُ لا لِعَدَمِ كَوْنِهِ مُقْتَضى الِاسْمِ، بَلْ بِما في التَّرْكِيبِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى خُرُوجِهِ عَنِ الإرادَةِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:﴿خَلَقْناهُ﴾ و﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يَخْرُجُ عَنْهُ لا بِطَرِيقِ التَّخْصِيصِ، بَلْ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ إذا قُلْنا: إنَّ التَّرْكِيبَ وضْعِيٌّ، فَإنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لَمْ يُوضَعْ حِينَئِذٍ إلّا لِغَيْرِ المُتَكَلِّمِ. ثانِيها: القَدَرُ التَّقْدِيرُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾[المرسلات: ٢٣] وقالَ الشّاعِرُ:

وقَدْ قَدَّرَ الرَّحْمَنُ ما هو قادِرُ

أيْ قَدَّرَ ما هو مُقَدَّرٌ، وعَلى هَذا فالمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ، كَما يَرْمِي الرّامِي السَّهْمَ فَيَقَعُ في مَوْضِعٍ لَمْ يَكُنْ قَدْ قَدَّرَهُ، بَلْ خَلَقَ اللَّهُ كَما قَدَّرَ بِخِلافِ قَوْلِ الفَلاسِفَةِ إنَّهُ فاعِلٌ لِذاتِهِ والِاخْتِلافُ لِلْقَوابِلِ، فالَّذِي جاءَ قَصِيرًا أوْ صَغِيرًا فَلِاسْتِعْدادِ مادَّتِهِ، والَّذِي جاءَ طَوِيلًا أوْ كَبِيرًا فَلِاسْتِعْدادٍ آخَرَ، فَقالَ تَعالى: ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ مِنّا، فالصَّغِيرُ جازَ أنْ يَكُونَ كَبِيرًا، والكَبِيرُ جازَ خَلْقُهُ صَغِيرًا. ثالِثُها: ﴿بِقَدَرٍ﴾ هو ما يُقالُ مَعَ القَضاءِ، يُقالُ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، وقالَتِ الفَلاسِفَةُ في القَدَرِ الَّذِي مَعَ القَضاءِ: إنَّ ما يُقْصَدُ إلَيْهِ فَقَضاءٌ وما يَلْزَمُهُ فَقَدَرٌ، فَيَقُولُونَ: خَلْقُ النّارِ حارَّةً بِقَضاءٍ وهو مَقْضِيٌّ بِهِ لِأنَّها يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ، لَكِنْ مِن لَوازِمِها أنَّها إذا تَعَلَّقَتْ بِقُطْنِ عَجُوزٍ أوْ وقَعَتْ في قَصَبِ صُعْلُوكٍ تَحْرِقُهُ، فَهو بِقَدَرٍ لا بِقَضاءٍ، وهو كَلامٌ فاسِدٌ، بَلِ القَضاءُ ما في العِلْمِ والقَدَرُ ما في الإرادَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ أيْ بِقَدَرِهِ مَعَ إرادَتِهِ، لا عَلى ما يَقُولُونَ إنَّهُ مُوجِبٌ رَدًّا عَلى المُشْرِكِينَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ .

صفحة ٦٦

أيْ إلّا كَلِمَةٌ واحِدَةٌ، وهو قَوْلُهُ لَهُ: (كُنْ) [يس: ٨٢] هَذا هو المَشْهُورُ الظّاهِرُ، وعَلى هَذا فاللَّهُ إذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ: (كُنْ) فَهُناكَ شَيْئانِ: الإرادَةُ والقَوْلُ، فالإرادَةُ قَدَرٌ، والقَوْلُ قَضاءٌ، وقَوْلُهُ: (واحِدَةٌ) يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: بَيانُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى تَكْرِيرِ القَوْلِ إشارَةً إلى نَفاذِ الأمْرِ. ثانِيهِما: بَيانُ عَدَمِ اخْتِلافِ الحالِ، فَأمْرُهُ عِنْدَ خَلْقِ العَرْشِ العَظِيمِ كَأمْرِهِ عِنْدَ خَلْقِ النَّمْلِ الصَّغِيرِ، فَأمْرُهُ عِنْدَ الكُلِّ واحِدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ تَشْبِيهُ الكَوْنِ لا تَشْبِيهَ الأمْرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أمْرُنا واحِدَةٌ، فَإذْنُ المَأْمُورُ كائِنٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ راجِعًا إلى الأمْرِ لا يَكُونُ ذَلِكَ صِفَةَ مَدْحٍ يَلِيقُ بِهِ، فَإنَّ كَلِمَةَ (كُنْ) شَيْءٌ أيْضًا يُوجَدُ ﴿كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾هَذا هو التَّفْسِيرُ الظّاهِرُ المَشْهُورُ، وفِيهِ وجْهٌ ظاهِرٌ ذَهَبَ إلَيْهِ الحُكَماءُ، وهي أنَّ مَقْدُوراتِ اللَّهِ تَعالى هي المُمْكِناتُ يُوجِدُها بِقُدْرَتِهِ، وفي عَدَمِها خِلافٌ لا يَلِيقُ بَيانُهُ بِهَذا المَوْضِعِ لِطُولِهِ لا لِسَبَبِ غَيْرِهِ، ثُمَّ إنَّ المُمْكِناتِ الَّتِي يُوجِدُها اللَّهُ تَعالى قِسْمانِ: أحَدُهُما: أُمُورٌ لَها أجْزاءٌ مُلْتَئِمَةٌ عِنْدَ التِئامِها يَتِمُّ وُجُودُها، كالإنْسانِ والحَيَوانِ والأجْسامِ