< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah054
Al-Qamar (54)
The Moon, makkah, 55 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
أنَتَّبِعُ صالِحًا أوِ الرَّجُلَ المُدَّعِيَ النُّبُوَّةَ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ المُعَرَّفاتِ والتَّنْكِيرُ تَحْقِيرٌ.
ثانِيها: قالُوا: أبَشَرًا ولَمْ يَقُولُوا: أرَجُلًا.
ثالِثُها: قالُوا: مِنّا. وهو يَحْمِلُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: مِن صِنْفِنا لَيْسَ غَرِيبًا.
وثانِيهِما (مِنّا) أيْ تَبَعَنا، يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ: أنْتَ مِنّا فَيَتَأذّى السّامِعُ ويَقُولُ: لا بَلْ أنْتَ مِنّا ولَسْتُ أنا مِنكم، وتَحْقِيقُهُ أنَّ مِن لِلتَّبْعِيضِ والبَعْضُ يَتْبَعُ الكُلَّ لا الكُلُّ يَتْبَعُ البَعْضَ.
رابِعُها: ”واحِدًا“ يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ أيْضًا:
أحَدُهُما: وحِيدًا إلى ضَعْفِهِ.
وثانِيهِما: واحِدًا أيْ هو مِنَ الآحادِ لا مِنَ الأكابِرِ المَشْهُورِينَ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ في اسْتِعْمالِ الآحادِ في الأصاغِرِ حَيْثُ يُقالُ: هو مِن آحادِ النّاسِ هو أنَّ مَن لا يَكُونُ مَشْهُورًا بِحَسَبٍ ولا نَسَبٍ إذا حَدَّثَ عَنْهُ مَن لا يَعْرِفُهُ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَقُولَ عَنْهُ: قالَ فُلانٌ أوِ ابْنُ فُلانٍ، فَيَقُولُ: قالَ واحِدٌ وفَعَلَ واحِدٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ غايَةَ الخُمُولِ؛ لِأنَّ الأرْذَلَ لا يَنْضَمُّ إلَيْهِ أحَدٌ فَيَبْقى في أكْثَرِ أوْقاتِهِ واحِدًا فَيُقالُ لِلْأرْذالِ: آحادٌ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى عَنْهم: ﴿إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:أحَدُهُما: أنْ يَكُونُوا قَدْ قالُوا في جَوابِ مَن يَقُولُ لَهم: إنْ لَمْ تَتَّبِعُوهُ تَكُونُوا في ضَلالٍ، فَيَقُولُونَ لَهُ: لا بَلْ إنْ تَبِعْناهُ نَكُونُ في ضَلالٍ.
ثانِيهِما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَرْتِيبًا عَلى ما مَضى أيْ حالُهُ ما ذَكَرْنا مِنَ الضَّعْفِ والوَحْدَةِ، فَإنِ اتَّبَعْناهُ نَكُونُ في ضَلالٍ وسُعُرٍ أيْ جُنُونٍ عَلى هَذا الوَجْهِ، فَإنْ قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ قالُوهُ عَلى سَبِيلِ الجَوابِ، فَيَكُونُ القائِلُ قالَ لَهم: إنْ لَمْ تَتَّبِعُوهُ فَإنّا إذًا في الحالِ في ضَلالٍ وفي سُعُرٍ في العُقْبى، فَقالُوا: لا بَلْ لَوِ اتَّبَعْناهُ فَإنّا إذًا في الحالِ في ضَلالٍ وفي سُعُرٍ مِنَ الذُّلِّ والعُبُودِيَّةِ مَجازًا، فَإنَّهم ما كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِالسَّعِيرِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: السَّعِيرُ في الآخِرَةِ واحِدٌ فَكَيْفَ جُمِعَ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: في جَهَنَّمَ دَرَكاتٌ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كُلُّ واحِدَةٍ سَعِيرًا أوْ فِيها سَعِيرٌ.
ثانِيها: لِدَوامِ العَذابِ عَلَيْهِمْ فَإنَّهُ كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم يُبَدِّلُهم جُلُودًا كَأنَّهم في كُلِّ زَمانٍ في سَعِيرٍ آخَرَ وعَذابٍ آخَرَ.
ثالِثُها: لِسِعَةِ السَّعِيرِ الواحِدِ كَأنَّها سُعُرٍ، يُقالُ لِلرَّجُلِ الواحِدِ: فُلانٌ لَيْسَ بِرَجُلٍ واحِدٍ بَلْ هو رِجالٌ.
ثُمَّ قالَ تَعالى عَنْهم:
﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ النَّفْيَ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ أبْلَغُ؛ لِأنَّ مَن قالَ: ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ رُبَّما يَعْلَمُ أوْ يَظُنُّ أوْ يَتَوَهَّمُ أنَّ السّامِعَ يُكَذِّبُهُ فِيهِ فَإذا ذُكِرَ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ يَكُونُ مَعْناهُ أنَّ السّامِعَ يُجِيبُنِي بِقَوْلِهِ: ”ما أُنْزِلَ“ فَيُجْعَلُ الأمْرُ حِينَئِذٍ مَنفِيًّا ظاهِرًا لا يَخْفى عَلى أحَدٍ بَلْ
صفحة ٤٦
كُلُّ أحَدٍ يَقُولُ: ”ما أُنْزِلَ“، والذِّكْرُ الرِّسالَةُ أوِ الكِتابُ إنْ كانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ ما يَذْكُرُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى كَما يُقالُ: الحَقُّ ويُرادُ بِهِ ما يَحُلُّ مِنَ اللَّهِ، وفِيهِ مَسائِلُ:المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهم ”أأُلْقِيَ“ بَدَلُ ”أأُنْزِلَ“ وفِيهِ إشارَةٌ إلى ما كانُوا يُنْكِرُونَهُ مِن طَرِيقِ المُبالَغَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإلْقاءَ إنْزالٌ بِسُرْعَةٍ والنَّبِيُّ كانَ يَقُولُ: ”«جاءَنِي الوَحْيُ مَعَ المَلَكِ في لَحْظَةٍ يَسِيرَةٍ» “ فَكَأنَّهم قالُوا: المَلَكُ جِسْمٌ والسَّماءُ بَعِيدَةٌ فَكَيْفَ يَنْزِلُ في لَحْظَةٍ فَقالُوا: أأُلْقِيَ وما قالُوا: أأُنْزِلَ، وقَوْلُهم ”عَلَيْهِ“ إنْكارٌ آخَرُ كَأنَّهم قالُوا: ما أُلْقِيَ ذِكْرٌ أصْلًا، قالُوا: إنْ أُلْقِيَ فَلا يَكُونُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا وفِينا مَن هو فَوْقَهُ في الشَّرَفِ والذَّكاءِ، وقَوْلُهم أأُلْقِيَ بَدَلٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: أألْقى اللَّهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الإلْقاءَ مِنَ السَّماءِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: