< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah054
Al-Qamar (54)
The Moon, makkah, 55 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
صَرْصَرٌ فَلَيْسَ ذَلِكَ كَقَوْلِنا: رِيحٌ بارِدَةٌ فَإنَّ الصَّرْصَرَ هي الرِّيحُ البارِدَةُ فَحَسْبُ، فَكَأنَّهُ قالَ: رِيحٌ بارِدَةٌ، فَنَقُولُ: الألْفاظُ الَّتِي في مَعانِيها أمْرانِ فَصاعِدًا، كَقَوْلِنا: عالِمٌ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ لَهُ عِلْمٌ فَفِيهِ شَيْءٌ وعِلْمٌ هي عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ.
أحَدُها: أنْ يَكُونَ الحالُ هو المَقْصُودُ والمَحَلُّ تَبَعٌ كَما في العالِمِ والضّارِبِ والأبْيَضِ فَإنَّ المَقاصِدَ في هَذِهِ الألْفاظِ العِلْمُ والضَّرْبُ والبَياضُ بِخُصُوصِها، وأمّا المَحَلُّ فَمَقْصُودٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ عَلى عُمُومِهِ حَتّى أنَّ البَياضَ لَوْ كانَ يُبَدَّلُ بِلَوْنِ غَيْرِهِ اخْتَلَّ مَقْصُودُهُ كالأسْوَدِ. وأمّا الجِسْمُ الَّذِي هو مَحَلُّ البَياضِ إنْ أمْكَنَ أنْ يُبَدَّلَ، وأمْكَنَ قِيامُ البَياضِ بِجَوْهَرٍ غَيْرِ جِسْمٍ لَما اخْتَلَّ الغَرَضُ.
ثانِيها: أنْ يَكُونَ المَحَلُّ هو المَقْصُودُ؛ كَقَوْلِنا: الحَيَوانُ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ لِجِنْسِ ما لَهُ الحَياةُ لا كالحَيِّ الَّذِي هو اسْمٌ لِشَيْءٍ لَهُ الحَياةُ، فالمَقْصُودُ هُنا المَحَلُّ وهو الجِسْمُ حَتّى لَوْ وُجِدَ حَيٌّ لَيْسَ بِجِسْمٍ لا يَحْصُلُ مَقْصُودُ مَن قالَ: الحَيَوانُ ولَوْ حُمِلَ اللَّفْظُ عَلى اللَّهِ الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ لَحَصَلَ غَرَضُ المُتَكَلِّمِ، ولَوْ حُمِلَ لَفْظُ الحَيَوانِ عَلى فَرَسٍ قائِمٍ أوْ إنْسانٍ نائِمٍ لَمْ تُفارِقْهُ الحَياةُ لَمْ يَبْقَ لِلسّامِعِ نَفْعٌ ولَمْ يَحْصُلْ لِلْمُتَكَلِّمِ غَرَضٌ، فَإنَّ القائِلَ إذا قالَ لِإنْسانٍ قائِمٌ وهو مَيِّتٌ: هَذا حَيَوانٌ، ثُمَّ بانَ مَوْتُهُ لا يَرْجِعُ عَمّا قالَ بَلْ يَقُولُ: ما قُلْتُ: إنَّهُ حَيٌّ، بَلْ قُلْتُ: إنَّهُ حَيَوانٌ، فَهو حَيَوانٌ فارَقَتْهُ الحَياةُ.
ثالِثُها: ما يَكُونُ الأمْرانِ مَقْصُودَيْنِ كَقَوْلِنا رَجُلٌ وامْرَأةٌ وناقَةٌ وجَمَلٌ، فَإنَّ الرَّجُلَ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِإنْسانٍ ذَكَرٍ والمَرْأةَ لِإنْسانٍ أُنْثى، والنّاقَةَ لِبَعِيرٍ أُنْثى والجَمَلَ لِبَعِيرٍ ذَكَرٍ، فالنّاقَةُ إنْ أُطْلِقَتْ عَلى حَيَوانٍ فَظَهَرَ فَرَسًا أوْ ثَوْرًا اخْتَلَّ الغَرَضُ وإنْ بانَ جَمَلًا كَذَلِكَ، إذا عَلِمْتَ هَذا فَفي كُلِّ صُورَةٍ كانَ المَحَلُّ مَقْصُودًا إمّا وحْدَهُ وإمّا مَعَ الحالِ فَلا يُوصَفُ بِهِ، فَلا يُقالُ: جِسْمٌ حَيَوانٌ، ولا يُقالُ: بَعِيرٌ ناقَةٌ، وإنَّما يُجْعَلُ ذَلِكَ جُمْلَةً، فَيُوصَفُ بِالجُمْلَةِ، فَيُقالُ: جِسْمٌ هو حَيَوانٌ وبَعِيرٌ هو ناقَةٌ، ثُمَّ إنَّ الأبْلَقَ والأفْطَسَ شَأْنُهُ الحَيَوانُ مِن وجْهٍ وشَأْنُهُ العالِمُ مِن وجْهٍ، وكَذَلِكَ المُهَنَّدُ لَكِنَّ دَلِيلَ تَرْجِيحِ الحالِ فِيهِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ المُهَنَّدَ لا يُذْكَرُ إلّا لِمَدْحِ السَّيْفِ، والأفْطَسُ لا يُقالُ إلّا لِوَصْفِ الأنْفِ لا لِحَقِيقَتِهِ، وكَذَلِكَ الأبْلَقُ، بِخِلافِ الحَيَوانِ فَإنَّهُ لا يُقالُ لِوَصْفِهِ، وكَذَلِكَ النّاقَةُ، إذا عَلِمْتَ هَذا فالصَّرْصَرُ يُقالُ لِشِدَّةِ الرِّيحِ أوْ لِبَرْدِها، فَوَجَبَ أنْ يُعْمَلَ بِهِ ما يُعْمَلُ بِالبارِدِ والشَّدِيدِ فَجازَ الوَصْفُ وهَذا بَحْثٌ عَزِيزٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ تَعالى هاهُنا ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ وقالَ في الذّارِياتِ: ﴿وفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾[الذاريات: ٤١] فَعَرَّفَ الرِّيحَ هُناكَ ونَكَّرَها هُنا؛ لِأنَّ العُقْمَ في الرِّيحِ أظْهَرُ مِنَ البَرْدِ الَّذِي يَضُرُّ النَّباتَ أوِ الشَّدَّةَ الَّتِي تَعْصِفُ الأشْجارَ؛ لِأنَّ الرِّيحَ العَقِيمَ هي الَّتِي لا تُنْشِئُ سَحابًا ولا تُلَقِّحُ شَجَرًا وهي كَثِيرَةُ الوُقُوعِ، وأمّا الرِّيحُ المُهْلِكَةُ البارِدَةُ فَقَلَّما تُوجَدُ، فَقالَ: ”الرِّيحَ العَقِيمَ“ أيْ: هَذا الجِنْسَ المَعْرُوفَ، ثُمَّ زادَهُ بَيانًا بِقَوْلِهِ: ﴿ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ إلّا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ﴾[الذاريات: ٤٢] فَتَمَيَّزَتْ عَنِ الرِّيحِ العَقِيمِ، وأمّا الصَّرْصَرُ فَقَلِيلَةُ الوُقُوعِ فَلا تَكُونُ مَشْهُورَةً فَنَكَّرَها.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ هُنا ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ وقالَ في فُصِّلَتْ: ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾[فصلت: ١٦] وقالَ في الحاقَّةِ: ﴿سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾[الحاقة: ٧] والمُرادُ مِنَ اليَوْمِ هُنا الوَقْتُ والزَّمانُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾[مريم: ٣٣]وقَوْلُهُ: (مُسْتَمِرٌّ) يُفِيدُ ما يُفِيدُهُ الأيّامُ؛ لِأنَّ الِاسْتِمْرارَ يُنْبِئُ عَنْ إمْرارِ الزَّمانِ كَما