< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah052
At-Tur (52)
The Mount, makkah, 49 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
غُلامُ زَيْدٍ زِدْتَ عَلَيْهِ في الإفادَةِ وكانَ أحْسَنَ، كَذَلِكَ قَوْلُنا يَوْمَ خَرَجَ لِتَعْرِيفِ ذَلِكَ اليَوْمِ خَيْرٌ مِن قَوْلِكَ يَوْمَ الخُرُوجِ، فَظَهَرَ مِن هَذا البَحْثِ أنَّ الزَّمانَ يُضافُ إلى الفِعْلِ، وغَيْرُهُ لا يُضافُ لِاخْتِصاصِ الفِعْلِ بِالزَّمانِ دُونَ غَيْرِهِ إلّا المَكانَ في قَوْلِهِ اجْلِسْ حَيْثُ يَجْلِسُ، فَإنَّ حَيْثُ يُضافُ إلى الجُمَلِ لِمُشابَهَةِ ظَرْفِ المَكانِ لِظَرْفِ الزَّمانِ، وأمّا الجُمَلُ فَهي إنَّما يَصِحُّ بِواسِطَةِ تَضَمُّنِها الفِعْلَ، فَلا يُقالُ يَوْمَ زَيْدٌ أخُوكَ، ويُقالُ يَوْمَ زَيْدٌ فِيهِ خارِجٌ.
ومِن جُمْلَةِ الفَوائِدِ اللَّفْظِيَّةِ أنَّ لاتَ يَخْتَصُّ اسْتِعْمالُها بِالزَّمانِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾[ ص: ٣] ولا يُقالُ لاتَ الرَّجُلُ سُوءٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الزَّمانَ تَجَدُّدٌ بَعْدَ تَجَدُّدٍ ولا يَبْقى بَعْدَ الفَناءِ حَياةٌ أُخْرى وبَعْدَ كُلِّ حَرَكَةٍ حَرَكَةٌ أُخْرى وبَعْدَ كُلِّ زَمانٍ زَمانٌ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [ الرَّحْمَنِ: ٢٩] أيْ قَبْلَ الخَلْقِ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا، لَكِنَّهُ بَعْدَما خَلَقَ فَهو أبَدًا دائِمًا يَخْلُقُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَبَعْدَ حَياتِنا مَوْتٌ وبَعْدَ مَوْتِنا حَياةٌ وبَعْدَ حَياتِنا حِسابٌ وبَعْدَ الحِسابِ ثَوابٌ دائِمٌ أوْ عِقابٌ، لازِمٌ ولا يَتْرُكُ اللَّهُ الفِعْلَ فَلَمّا بَعُدَ الزَّمانُ عَنِ النَّفْيِ زِيدَ في الحُرُوفِ النّافِيَةِ زِيادَةً، فَإنْ قِيلَ: فاللَّهُ تَعالى أبْعَدُ عَنِ الِانْتِفاءِ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ لا تُقَرَّبَ التّاءُ بِكَلِمَةِ (لا) هُناكَ، نَقُولُ ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾[ ص: ٣] تَأْوِيلٌ وعَلَيْهِ لا يَرِدُ ما ذَكَرْتُمْ وهو أنَّ (لا) هي المُشَبَّهَةُ بِلَيْسَ تَقْدِيرُهُ لَيْسَ الحِينُ حِينَ مَناصٍ، وهو المَشْهُورُ، ولِذَلِكَ اخْتَصَّ بِالحِينِ دُونَ اليَوْمِ واللَّيْلِ لِأنَّ الحِينَ أدْوَمُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فاللَّيْلُ والنَّهارُ قَدْ لا يَكُونُ والحِينُ يَكُونُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾
أيْ إذا عُلِمَ أنَّ عَذابَ اللَّهِ واقِعٌ وأنَّهُ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ فَوَيْلٌ إذًا لِلْمُكَذِّبِينَ، فالفاءُ لِاتِّصالِ المَعْنى، وهو الإيذانُ بِأمانِ أهْلِ الإيمانِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ بِأنَّ مَوْقِعَهُ بِمَن، فَلَمّا قالَ: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ عُلِمَ المَخْصُوصُ بِهِ وهو المُكَذِّبُ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إذا قُلْتَ بِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بَيانٌ لِمَن يَقَعُ بِهِ العَذابُ ويَنْزِلُ عَلَيْهِ فَمَن لا يُكَذِّبُ لا يُعَذَّبُ، فَأهْلُ الكَبائِرِ لا يُعَذَّبُونَ لِأنَّهم لا يُكَذِّبُونَ، نَقُولُ: ذَلِكَ العَذابُ لا يَقَعُ عَلى أهْلِ الكَبائِرِ وهَذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا﴾
صفحة ٢١١
[ المُلْكِ: ٨ ٩] فَنَقُولُ المُؤْمِنُ لا يُلْقى فِيها إلْقاءً بِهَوانٍ، وإنَّما يَدْخُلُ فِيها لِيُطَهَّرَ إدْخالٌ مَعَ نَوْعِ إكْرامٍ، فَكَذَلِكَ الوَيْلُ لِلْمُكَذِّبِينَ، والوَيْلُ يُنْبِئُ عَنِ الشِّدَّةِ وتَرْكِيبُ حُرُوفِ الواوِ والياءِ واللّامِ لا يَنْفَكُّ عَنْ نَوْعِ شِدَّةٍ، مِنهُ لَوى إذا دَفَعَ ولَوى يَلْوِي إذا كانَ قَوِيًّا والوَلِيُّ فِيهِ القُوَّةُ عَلى المَوْلى عَلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: (يُدَعُّونَ) فَإنَّ المُكَذِّبَ يُدَعُّ والمُصَدِّقُ لا يُدَعُّ، وقَدْ ذَكَرْنا جَوازَ التَّنْكِيرِ في قَوْلِهِ (ويْلٌ) مَعَ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً لِأنَّهُ في تَقْدِيرِ المَنصُوبِ لِأنَّهُ دُعاءٌ ومَضى وجْهُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ سَلامٌ﴾[ مَرْيَمَ: ٤٧] والخَوْضُ نَفْسُهُ خُصَّ في اسْتِعْمالِ القُرْآنِ بِالِانْدِفاعِ في الأباطِيلِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ [ التَّوْبَةِ: ٦٩] وقالَ تَعالى: ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [ المُدَّثِّرِ: ٤٥] وتَنْكِيرُ الخَوْضِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِأحَدُهُما: أنْ يَكُونَ لِلتَّكْثِيرِ أيْ في خَوْضٍ كامِلٍ عَظِيمٍ.
ثانِيهِما: أنْ يَكُونَ التَّنْوِينُ تَعْوِيضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (إلًّا) [ التَّوْبَةِ: ٨] وقَوْلِهِ ﴿وكُلًّا﴾[ الفَرْقانِ: ٣٩]