< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


لَهُ أوْ فِيما لا إشارَةَ إلَيْهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، وقالُوا في الزَّمانِ إنْ كانَ الزَّمانُ غَيْرَ مُتَجَدِّدٍ فَيَكُونُ كالأُمُورِ المُسْتَمِرَّةِ فَلا يَثْبُتُ فِيهِ المُضِيُّ والِاسْتِقْبالُ، وإنْ كانَ مُتَجَدِّدًا وكُلُّ مُتَجَدِّدٍ فَهو في زَمانٍ، فَلِلزَّمانِ زَمانٌ آخَرُ فَيَتَسَلْسَلُ الأمْرُ، ثُمَّ إنَّ الفَلاسِفَةَ التَزَمُوا التَّسَلْسُلَ في الأزْمِنَةِ، ووَقَعُوا بِسَبَبِ هَذا في القَوْلِ بِقِدَمِ العالَمِ ولَمْ يَلْتَزِمُوا التَّسَلْسُلَ في الأمْكِنَةِ وفَرَّقُوا بَيْنَهُما مِن غَيْرِ فارِقٍ، وقَوْمٌ التَزَمُوا التَّسَلْسُلَ فِيهِما جَمِيعًا، وقالُوا بِالقِدَمِ وأزْمانٍ لا نِهايَةَ لَها وبِالِامْتِدادِ وأبْعادٍ لا نِهايَةَ لَها، وهم وإنْ خالَفُونا في المَسْألَتَيْنِ جَمِيعًا، والفَلاسِفَةُ وافَقُونا في إحْداهُما دُونَ الأُخْرى لَكِنَّهم سَلَكُوا جادَّةَ الوَهْمِ ولَمْ يَتْرُكُوا عَلى أنْفُسِهِمْ سَبِيلَ الِالتِزامِ في الأزْمانِ، فَإنْ قِيلَ فالمُتَجَدِّدُ الأوَّلُ قَبْلَهُ ماذا ؟ نَقُولُ لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، فَإنْ قِيلَ فَعَدَمُهُ قَبْلَهُ أوْ قَبْلَهُ عَدَمُهُ ؟ نَقُولُ قَوْلُنا لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ أعَمُّ مِن قَوْلِكَ قَبْلَهُ عَدَمُهُ، لِأنّا إذا قُلْنا لَيْسَ قَبْلَ آدَمَ حَيَوانٌ بِألْفِ رَأْسٍ، صَدَقْنا ولا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ صِدْقَ قَوْلِنا آدَمُ قَبْلَ حَيَوانٍ بِألْفِ رَأْسٍ أوْ حَيَوانٌ بِألْفِ رَأْسٍ بَعْدَ آدَمَ، لِانْتِفاءِ ذَلِكَ الحَيَوانِ أوَّلًا وآخِرًا وعَدَمِ دُخُولِهِ في الوُجُودِ أزَلًا وأبَدًا، فَكَذَلِكَ ما قُلْنا، فَإنْ قِيلَ هَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى شَيْءٌ مَوْجُودٌ وهو قَبْلَ العالَمِ، نَقُولُ قَوْلُنا لَيْسَ قَبْلَ المُتَجَدِّدِ الأوَّلِ شَيْءٌ مَعْناهُ لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ بِالزَّمانِ، وأمّا اللَّهُ تَعالى فَلَيْسَ قَبْلَهُ بِالزَّمانِ إذْ كانَ اللَّهُ ولا زَمانَ، والزَّمانُ وُجِدَ مَعَ المُتَجَدِّدِ الأوَّلِ، فَإنْ قِيلَ فَما مَعْنى وُجُودِ اللَّهِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ غَيْرَهُ ؟ نَقُولُ مَعْناهُ كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرَهُ لا يُقالُ ما ذَكَرْتُمْ إثْباتُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ ولا يَثْبُتُ ذَلِكَ الشَّيْءُ إلّا بِما تَرُومُونَ إثْباتَهُ، فَإنَّ بِدايَةَ الزَّمانِ غَرَضُكم وهو مَبْنِيٌّ عَلى المُتَجَدِّدِ الأوَّلِ والنِّزاعُ في المُتَجَدِّدِ، فَإنَّ عِنْدَ الخَصْمِ لَيْسَ في الوُجُودِ مُتَجَدِّدٌ أوَّلٌ بَلْ قَبْلَ كُلِّ مُتَجَدِّدٍ، لِأنّا نَقُولُ نَحْنُ ما ذَكَرْنا ذَلِكَ دَلِيلًا، وإنَّما ذَكَرْناهُ بَيانًا لِعَدَمِ الإلْزامِ، وأنَّهُ لا يَرِدُ عَلَيْنا شَيْءٌ إذا قُلْنا بِالحُدُوثِ ونِهايَةِ الأبْعادِ واللَّزْمِ والإلْزامِ، فَيَسْلَمُ الكَلامُ الأوَّلُ، ثُمَّ يَلْزَمُ ويَقُولُ: ألَسْتَ تَقُولُ إنَّ لَنا مُتَجَدِّدًا أوَّلًا فَكَذَلِكَ قُلْ لَهُ عَدَمٌ، فَنَقُولُ لا بَلْ لَيْسَ قَبْلَهُ أمْرٌ بِالزَّمانِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نَفْيًا عامًّا، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ لِانْتِفاءِ الزَّمانِ، كَما ذَكَرْنا في المِثالِ، إذا عَلِمْتَ هَذا فَصارَ الزَّمانُ تارَةً مَوْجُودًا مَعَ عَرَضٍ وأُخْرى مَوْجُودًا

صفحة ٢١٠

بَعْدَ عَرَضٍ، لِأنَّ يَوْمَنا هَذا وغَيْرَهُ مِنَ الأيّامِ كُلِّها صارَتْ مُتَمَيِّزَةً بِالمُتَجَدِّدِ الأوَّلِ، والمُتَجَدِّدُ الأوَّلُ لَهُ زَمانٌ هو مَعَهُ، إذا عَرَفْتَ أنَّ الزَّمانَ والمَكانَ أمْرُهُما مُشْكِلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِ الأفْهامِ والأمْرُ الخَفِيُّ يُعْرَفُ بِالوَصْفِ والإضافَةِ، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ غُلامٌ لَمْ يُعْرَفْ، فَإذا وصَفْتَهُ أوْ أضَفْتَهُ وقُلْتَ غُلامٌ صَغِيرٌ أوْ كَبِيرٌ، وأبْيَضُ أوْ أسْوَدُ قَرُبَ مِنَ الفَهْمِ، وكَذَلِكَ إذا قُلْتَ غُلامُ زَيْدٍ قَرُبَ، ولَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن مَعْرِفَةِ الزَّمانِ، ولا يُعْرَفُ الشَّيْءُ إلّا بِما يَخْتَصُّ بِهِ، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ في الإنْسانِ حَيَوانٌ مَوْجُودٌ بَعَّدْتَهُ عَنِ الفَهْمِ، وإذا قُلْتَ حَيَوانٌ طَوِيلُ القامَةِ قَرَّبْتَهُ مِنهُ، فَفي الزَّمانِ كانَ يَجِبُ أنْ يُعْرَفَ بِما يَخْتَصُّ بِهِ لِأنَّ الفِعْلَ الماضِيَ والمُسْتَقْبَلَ والحالَ يَخْتَصُّ بِأزْمِنَةٍ، والمَصْدَرُ لَهُ زَمانٌ مُطْلَقٌ، فَلَوْ قُلْتَ زَمانُ الخُرُوجِ تَمَيَّزَ عَنْ زَمانِ الدُّخُولِ وغَيْرِهِ، فَإذا قُلْتَ يَوْمَ خَرَجَ أفادَ ما أفادَ قَوْلُكَ يَوْمَ الخُرُوجِ مَعَ زِيادَةٍ هو أنَّهُ تَمَيَّزَ عَنْ يَوْمَ يَخْرُجُ والإضافَةُ إلى ما هو أشَدُّ تَمْيِيزًا أوْلى، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ غُلامُ رَجُلٍ مَيَّزْتَهُ عَنْ غُلامِ امْرَأةٍ، وإذا قُلْتَ