< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


رَحِمَ﴾[هود: ٤٣] حِكايَةً عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الحِكْمَةُ في تَنْكِيرِ الكِتابِ وتَعْرِيفِ باقِي الأشْياءِ ؟ نَقُولُ: ما يَحْتَمِلُ الخَفاءَ مِنَ الأُمُورِ المُلْتَبِسَةِ بِأمْثالِها مِنَ الأجْناسِ يُعَرَّفُ بِاللّامِ، فَيُقالُ رَأيْتُ الأمِيرَ ودَخَلْتُ عَلى الوَزِيرِ، فَإذا بَلَغَ الأمِيرُ الشُّهْرَةَ بِحَيْثُ يُؤْمَنُ الِالتِباسُ مَعَ شُهْرَتِهِ، ويُرِيدُ الواصِفُ وصْفَهُ بِالعَظَمَةِ، يَقُولُ: اليَوْمَ رَأيْتُ أمِيرًا ما لَهُ نَظِيرٌ جالِسًا وعَلَيْهِ سِيما المُلُوكِ وأنْتَ تُرِيدُ ذَلِكَ الأمِيرَ المَعْلُومَ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّكَ بِالتَّنْكِيرِ تُشِيرُ إلى أنَّهُ خَرَجَ عَنْ أنْ يُعْلَمَ ويُعْرَفَ بِكُنْهِ عَظَمَتِهِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾﴿ما الحاقَّةُ﴾﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾[الحاقة: ١، ٣] فاللّامُ وإنْ كانَتْ مُعَرِّفَةً لَكِنْ أخْرَجَها عَنِ المَعْرِفَةِ كَوْنُ شِدَّةِ هَوْلِها غَيْرَ مَعْرُوفٍ، فَكَذَلِكَ هَهُنا الطُّورُ لَيْسَ في الشُّهْرَةِ بِحَيْثُ يُؤْمَنُ اللَّبْسُ عِنْدَ التَّنْكِيرِ، وكَذَلِكَ البَيْتُ المَعْمُورُ، وأمّا الكِتابُ الكَرِيمُ فَقَدْ تَمَيَّزَ عَنْ سائِرِ الكُتُبِ، بِحَيْثُ لا يَسْبِقُ إلى أفْهامِ السّامِعِينَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ – لَفْظُ الكِتابِ إلّا ذَلِكَ، فَلَمّا أُمِنَ اللَّبْسُ وحَصَلَتْ فائِدَةُ التَّعْرِيفِ سَواءٌ ذُكِرَ بِاللّامِ أوْ لَمْ يُذْكَرْ قَصْدًا لِلْفائِدَةِ الأُخْرى وهي في الذِّكْرِ بِالتَّنْكِيرِ، وفي تِلْكَ الأشْياءِ لِمّا لَمْ تَحْصُلْ فائِدَةُ التَّعْرِيفِ إلّا بِآلَةِ التَّعْرِيفِ اسْتَعْمَلَها، وهَذا يُؤَيِّدُ كَوْنَ المُرادِ مِنهُ القُرْآنُ وكَذَلِكَ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ مَشْهُورٌ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ وعَظَمَةُ الكِتابِ بِلَفْظِهِ ومَعْناهُ لا بِخَطِّهِ ووَرَقِهِ ؟ نَقُولُ هو إشارَةٌ إلى الوُضُوحِ، وذَلِكَ لِأنَّ الكِتابَ المَطْوِيَّ لا يُعْلَمُ ما فِيهِ فَقالَ هو ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ولَيْسَ كالكُتُبِ المَطْوِيَّةِ وعَلى هَذا المُرادِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ فَمَعْناهُ هو مَنشُورٌ لَكم لا يَمْنَعُكم أحَدٌ مِن مُطالَعَتِهِ، وإنْ قُلْنا بِأنَّ المُرادَ كِتابُ أعْمالِ كُلِّ أحَدٍ فالتَّنْكِيرُ لِعَدَمِ المَعْرِفَةِ بِعَيْنِهِ، وفي رَقٍّ مَنشُورٍ لِبَيانِ وصْفِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾[الإسراء: ١٣] وذَلِكَ لِأنَّ غَيْرَ المَعْرُوفِ إذا وُصِفَ كانَ إلى المَعْرِفَةِ أقْرَبَ شَبَهًا.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في بَعْضِ السُّورِ أقْسَمَ بِجُمُوعٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والذّارِياتِ﴾[الذّارِياتِ: ١]

صفحة ٢٠٧

وقَوْلُهُ ﴿والمُرْسَلاتِ﴾ [ المُرْسَلاتِ: ١] وقَوْلُهُ ﴿والنّازِعاتِ﴾ [ النّازِعاتِ: ١] وفي بَعْضِها بِإفْرادٍ كَما في هَذِهِ السُّورَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿والطُّورِ﴾ ولَمْ يَقُلْ والأطْوارِ والبِحارِ، ولا سِيَّما إذا قُلْنا المُرادُ مِنَ الطُّورِ الجَبَلُ العَظِيمُ كالطَّوْدِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾[ النِّساءِ: ٥٤] أيِ الجَبَلَ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ في الجُمُوعِ في أكْثَرِها أقْسَمَ بِالمُتَحَرِّكاتِ، والرِّيحُ الواحِدَةُ لَيْسَتْ بِثابِتَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ حَتّى يَقَعَ القَسَمُ بِها، بَلْ هي مُتَبَدِّلَةٌ بِأفْرادِها مُسْتَمِرَّةٌ بِأنْواعِها، والمَقْصُودُ مِنها لا يَحْصُلُ إلّا بِالتَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ فَقالَ: ﴿والذّارِياتِ﴾ إشارَةً إلى النَّوْعِ المُسْتَمِرِّ إلى الفَرْدِ المُعَيَّنِ المُسْتَقِرِّ، وأمّا الجَبَلُ فَهو ثابِتٌ قَلِيلُ التَّغَيُّرِ، والواحِدُ مِنَ الجِبالِ دائِمٌ زَمانًا ودَهْرًا، فَأقْسَمَ في ذَلِكَ بِالواحِدِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿والنَّجْمِ﴾[ النَّجْمِ: ١] والرِّيحُ ما عُلِمَ القَسَمُ بِهِ، وفي الطُّورِ عُلِمَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ .

إشارَةٌ إلى المُقْسَمِ عَلَيْهِ، وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: في حَرْفِ (إنَّ) وفِيهِ مَقاماتٌ الأوَّلُ: هي تَنْصِبُ الِاسْمَ وتَرْفَعُ الخَبَرَ؛ والسَّبَبُ فِيهِ هو أنَّها شُبِّهَتْ بِالفِعْلِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ والمَعْنى، أمّا اللَّفْظُ فَلِكَوْنِ الفَتْحِ لازِمًا فِيها واخْتِصاصِها بِالدُّخُولِ عَلى الأسْماءِ، والمَنصُوبُ مِنها عَلى وزْنِ إنَّ أنِينًا، وأمّا المَعْنى فَنَقُولُ: اعْلَمْ أنَّ الجُمْلَةَ الإثْباتِيَّةَ قَبْلَ الجُمْلَةِ الِانْتِفائِيَّةِ، ولِهَذا اسْتَغْنَوْا عَنْ حَرْفٍ يَدُلُّ عَلى الإثْباتِ، فَإذا قالُوا زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ فُهِمَ مِنهُ إرادَةُ إثْباتِ الِانْطِلاقِ لِزَيْدٍ، والِانْتِفائِيَّةُ لَمّا كانَتْ بَعْدَ المُثْبَتَةِ زِيدَ فِيها حَرْفٌ يُغَيِّرُها عَنِ