< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah052
At-Tur (52)
The Mount, makkah, 49 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
صفحة ٢٠٥
[ سُورَةُ الطُّورِ ]أرْبَعُونَ وتِسْعُ آياتٍ مَكِّيَّةٌ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿والطُّورِ﴾﴿وكِتابٍ مَّسْطُورٍ﴾﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿والطُّورِ﴾﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مُناسِبَةٌ لِلسُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِن حَيْثُ الِافْتِتاحُ بِالقَسَمِ وبَيانِ الحَشْرِ فِيهِما، وأوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ مُناسِبٌ لِآخَرِ ما قَبْلَها؛ لِأنَّ في آخِرِها قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾[الذاريات: ٦٠] وهَذِهِ السُّورَةُ في أوَّلِها ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾[الطور: ١١] وفي آخِرِ تِلْكَ السُّورَةِ قالَ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا﴾[الذاريات: ٥٩] إشارَةً إلى العَذابِ وقالَ هُنا ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾[الطور: ٧] وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الطُّورُ، وما الكِتابُ المَسْطُورُ ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: الطُّورُ هو جَبَلٌ مَعْرُوفٌ كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ.
الثّانِي: هو الجَبَلُ الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾[التين: ٢] .
الثّالِثُ: هو اسْمُ الجِنْسِ والمُرادُ القَسَمُ بِالجَبَلِ غَيْرَ أنَّ الطُّورَ الجَبَلُ العَظِيمُ كالطَّوْدِ، وأمّا الكِتابُ فَفِيهِ أيْضًا وُجُوهٌ:
أحَدُها: كِتابُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
ثانِيها: الكِتابُ الَّذِي في السَّماءِ.
ثالِثُها: صَحائِفُ أعْمالِ الخَلْقِ.
رابِعُها: القُرْآنُ وكَيْفَما كانَ فَهي في رُقُوقٍ، وسَنُبَيِّنُ فائِدَةَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾، وأمّا البَيْتُ المَعْمُورُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: هو بَيْتٌ في السَّماءِ العُلْيا عِنْدَ العَرْشِ ووَصَفَهُ بِالعِمارَةِ لِكَثْرَةِ الطّائِفِينَ بِهِ مِنَ المَلائِكَةِ.
الثّانِي: هو بَيْتُ اللَّهِ الحَرامُ وهو مَعْمُورٌ بِالحاجِّ الطّائِفِينَ بِهِ العاكِفِينَ.
الثّالِثُ: البَيْتُ المَعْمُورُ اللّامُ فِيهِ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ كَأنَّهُ يُقْسِمُ بِالبُيُوتِ المَعْمُورَةِ والعَمائِرِ المَشْهُورَةِ، ”والسَّقْفِ المَرْفُوعِ“: السَّماءُ، والبَحْرِ المَسْجُورِ، قِيلَ: المُوقَدُ يُقالُ سَجَرْتُ التَّنُّورَ، وقِيلَ هو البَحْرُ المَمْلُوءُ ماءً المُتَمَوِّجُ، وقِيلَ هو بَحْرٌ مَعْرُوفٌ في السَّماءِ يُسَمّى بَحْرُ الحَيَوانِ.
صفحة ٢٠٦
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الحِكْمَةُ في اخْتِيارِ هَذِهِ الأشْياءِ ؟ نَقُولُ هي تَحْتَمِلُ وُجُوهًا:أحَدُها: أنَّ الأماكِنَ الثَّلاثَةَ وهي: الطُّورُ، والبَيْتُ المَعْمُورُ، والبَحْرُ المَسْجُورُ، أماكِنُ كانَتْ لِثَلاثَةِ أنْبِياءَ يَنْفَرِدُونَ فِيها لِلْخَلْوَةِ بِرَبِّهِمْ والخَلاصِ مِنَ الخَلْقِ والخِطابِ مَعَ اللَّهِ، أمّا الطُّورُ فانْتَقَلَ إلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والبَيْتُ مُحَمَّدٌ ﷺ، والبَحْرُ المَسْجُورُ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والكُلُّ خاطَبُوا اللَّهَ هُناكَ فَقالَ مُوسى: ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾[الأعراف: ١٥٥] وقالَ: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾[الأعراف: ١٤٣] وأمّا مُحَمَّدٌ ﷺ فَقالَ: ”«السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ»، لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ كَما أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ“ وأمّا يُونُسُ فَقالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾[الأنبياء: ٨٧] فَصارَتِ الأماكِنُ شَرِيفَةً بِهَذِهِ الأسْبابِ، فَحَلَفَ اللَّهُ تَعالى بِها، وأمّا ذِكْرُ الكِتابِ فَإنَّ الأنْبِياءَ كانَ لَهم في هَذِهِ الأماكِنِ مَعَ اللَّهِ تَعالى كَلامٌ والكَلامُ في الكِتابِ واقْتِرانُهُ بِالطُّورِ أدَلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لَهُ مَكْتُوبٌ يُنَزَّلُ عَلَيْهِ وهو بِالطُّورِ، وأمّا ذِكْرُ السَّقْفِ المَرْفُوعِ ومَعَهُ البَيْتُ المَعْمُورُ لِيُعْلَمَ عَظَمَةُ شَأْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
ثانِيها: وهو أنَّ القَسَمَ لَمّا كانَ عَلى وُقُوعِ العَذابِ وعَلى أنَّهُ لا دافِعَ لَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ لا مَهْرَبَ مِن عَذابِ اللَّهِ لِأنَّ مَن يُرِيدُ دَفْعَ العَذابِ عَنْ نَفْسِهِ، فَفي بَعْضِ الأوْقاتِ يَتَحَصَّنُ بِمِثْلِ الجِبالِ الشّاهِقَةِ الَّتِي لَيْسَ لَها طَرَفٌ وهي مُتَضايِقَةٌ بَيَّنَ أنَّهُ لا يَنْفَعُ التَّحَصُّنُ بِها مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ ابْنُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن