< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


عَلى أنَّ الذّارِيَةَ هي الَّتِي تَذْرُو التُّرابَ عَنْ وجْهِ الأرْضِ، وقَوْلُهُ تَعالى:﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ هي الَّتِي تَجْمَعُ الأجْزاءَ مِنَ الجَوِّ وتَحْمِلُهُ حَمْلًا، فَإنَّ التُّرابَ لا تَرْفَعُهُ الرِّياحُ حَمْلًا، بَلْ تَنْقُلُهُ مِن مَوْضِعٍ، وتَرْمِيهِ في مَوْضِعٍ بِخِلافِ السَّحابِ، فَإنَّهُ يَحْمِلُهُ ويَنْقُلُهُ في الجَوِّ حَمْلًا لا يَقَعُ مِنهُ شَيْءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ إشارَةٌ إلى الجامِعِ مِنَ الماءِ، فَإنَّ مَن يُجْرِي السُّفُنَ الثَّقِيلَةَ مِن تَيّارِ البِحارِ إلى السَّواحِلِ يَقْدِرُ عَلى نَقْلِ الأجْزاءِ مِنَ البَحْرِ إلى البَرِّ، فَإذا تَبَيَّنَ أنَّ الجَمْعَ مِنَ الأرْضِ، وجَوِّ الهَواءِ ووَسَطِ البِحارِ مُمْكِنٌ، وإذا اجْتَمَعَ يَبْقى نَفْخُ الرُّوحِ لَكِنَّ الرُّوحَ مِن أمْرِ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾[الإسراء: ٨٥] فَقالَ: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ المَلائِكَةُ الَّتِي تَنْفُخُ الرُّوحَ في الجَسَدِ بِأمْرِ اللَّهِ، وإنَّما ذَكَرَهم بِالمُقَسِّماتِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ في الأجْزاءِ الجِسْمِيَّةِ غَيْرُ مُخالِفٍ تَخالُفًا بَيِّنًا، فَإنَّ لِكُلِّ أحَدٍ رَأْسًا ورِجْلًا، والنّاسُ مُتَقارِبَةٌ في الأعْدادِ والأقْدارِ، لَكِنَّ التَّفاوُتَ الكَثِيرَ في النُّفُوسِ، فَإنَّ الشَّرِيفَةَ والخَسِيسَةَ بَيْنَهُما غايَةُ الخِلافِ، وتِلْكَ القِسْمَةُ المُتَفاوِتَةُ تَنْقَسِمُ بِمُقَسِّمٍ مُخْتارٍ ومَأْمُورٍ مُخْتارٍ فَقالَ: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ .

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ما هَذِهِ المَنصُوباتُ مِن حَيْثُ النَّحْوُ ؟ فَنَقُولُ أمّا ﴿ذَرْوًا﴾ فَلا شَكَّ في كَوْنِهِ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، وأمّا ﴿وِقْرًا﴾ فَهو مَفْعُولٌ بِهِ، كَما يُقالُ: حَمَلَ فُلانٌ عَدْلًا ثَقِيلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمًا أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ، كَما يُقالُ: ضَرَبَهُ سَوْطًا يُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ بِفَتْحِ الواوِ. وأمّا ﴿يُسْرًا﴾ فَهو أيْضًا مَنصُوبٌ

صفحة ١٦٩

عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ، تَقْدِيرُهُ جَرْيًا ذا يُسْرٍ، وأمّا ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ فَهو إمّا مَفْعُولٌ بِهِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ قَسَّمَ الرِّزْقَ أوِ المالَ وإمّا حالٌ أتى عَلى صُورَةِ المَصْدَرِ، كَما يُقالُ: قَتَلْتُهُ صَبْرًا، أيْ مَصْبُورًا كَذَلِكَ هَهُنا: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ أيْ مَأْمُورَةً، فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ: ﴿وِقْرًا﴾ مَفْعُولَهُ بِهِ فَلِمَ لَمْ يَجْمَعْ، وما قِيلَ: والحامِلاتِ أوَقارًا ؟ نَقُولُ: لِأنَّ الحامِلاتِ عَلى ما ذَكَرْنا صِفَةُ الرِّياحِ، وهي تَتَوارَدُ عَلى وِقْرٍ واحِدٍ، فَإنَّ رِيحًا تَهُبُّ وتَسُوقُ السَّحابَةَ فَتَسْبِقُ السَّحابَ، فَتَهُبُّ أُخْرى وتَسُوقُها، ورُبَّما تَتَحَوَّلُ عَنْهُ يَمْنَةً ويَسْرَةً بِسَبَبِ اخْتِلافِ الرِّياحِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في المُقَسِّماتِ أمْرًا، إذا قُلْنا هو مَفْعُولٌ بِهِ؛ لِأنَّ جَماعَةً يَكُونُونَ مَأْمُورِينَ تَنْقَسِمُ أمْرًا واحِدًا، أوْ نَقُولُ هو في تَقْدِيرِ التَّكْرِيرِ كَأنَّهُ قالَ: فالحامِلاتِ وِقْرًا وِقْرًا، والمُقَسِّماتِ أمْرًا أمْرًا.

المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: ما فائِدَةُ الفاءِ ؟ نَقُولُ: إنْ قُلْنا إنَّها صِفاتُ الرِّياحِ فَلِبَيانِ تَرْتِيبِ الأُمُورِ في الوُجُودِ، فَإنَّ الذّارِياتِ تُنْشِئُ السَّحابَ فَتُقَسِّمُ الأمْطارَ عَلى الأقْطارِ، وإنْ قُلْنا إنَّها أُمُورٌ أرْبَعَةٌ فالفاءُ لِلتَّرْتِيبِ في القَسَمِ لا لِلتَّرْتِيبِ في المُقْسَمِ بِهِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أُقْسِمُ بِالرِّياحِ الذّارِياتِ ثُمَّ بِالسُّحُبِ الحامِلاتِ ثُمَّ بِالسُّفُنِ الجارِياتِ ثُمَّ بِالمَلائِكَةِ المُقَسِّماتِ، وقَوْلُهُ: ﴿فالحامِلاتِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فالجارِياتِ﴾ إشارَةٌ إلى بَيانِ ما في الرِّياحِ مِنَ الفَوائِدِ، أمّا في البَرِّ فَإنْشاءُ السُّحُبِ، وأمّا في البَحْرِ فَإجْراءُ السُّفُنِ، ثُمَّ المُقَسِّماتُ إشارَةٌ إلى ما يَتَرَتَّبُ عَلى حَمْلِ السُّحُبِ وجَرْيِ السُّفُنِ مِنَ الأرْزاقِ والأرْباحِ الَّتِي تَكُونُ بِقِسْمَةِ اللَّهِ تَعالى فَتَجْرِي سُفُنُ بَعْضِ النّاسِ كَما يَشْتَهِي ولا تَرْبَحُ وبَعْضُهم تَرْبَحُ وهو غافِلٌ عَنْهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهُمْ﴾[الزخرف: ٣٢] .

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾”ما“ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مَعْناهُ الإيعادُ صادِقٌ وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أيِ الَّذِي تُوعَدُونَ صادِقٌ، والصّادِقُ مَعْناهُ ذُو صِدْقٍ كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ ووَصْفُ المَصْدَرِ بِما يُوصَفُ بِهِ الفاعِلُ بِالمَصْدَرِ فِيهِ إفادَةُ مُبالَغَةٍ، فَكَما أنَّ مَن قالَ فُلانٌ لُطْفٌ مَحْضٌ وحِلْمٌ يَجِبُ أنْ يَكُونَ