< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾[لقمان: ٢٥] فَلَمْ يُبالِغُوا في الحَقِيقَةِ في إنْكارِ المَطْلُوبِ الأوَّلِ، فاكْتَفى بِالبُرْهانِ، ولَمْ يُكْثِرْ مِنَ الأيْمانِ، وفي سُورَتَيْنِ مِنها أقْسَمَ لِإثْباتِ صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وكَوْنِهِ رَسُولًا في إحْداهُما بِأمْرٍ واحِدٍ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾[النجم: ١ -٢] وفي الثّانِيَةِ بِأمْرَيْنِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والضُّحى﴾﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾[الضحى: ١- ٣] وذَلِكَ لِأنَّ القَسَمَ عَلى إثْباتِ رِسالَتِهِ قَدْ كَثُرَ بِالحُرُوفِ والقُرْآنِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يس﴾﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾[يس: ١ - ٣] وقَدْ ذَكَرْنا الحُكْمَ فِيهِ أنَّ مُعْجِزاتِ النَّبِيِّ ﷺ القُرْآنُ، فَأقْسَمَ بِهِ لِيَكُونَ في القَسَمِ الإشارَةُ واقِعَةً إلى البُرْهانِ، وفي باقِي السُّورِ كانَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ الحَشْرَ والجَزاءَ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ لِكَوْنِ إنْكارِهِمْ في ذَلِكَ خارِجًا عَنِ الحَدِّ، وعَدَمِ اسْتِيفاءِ ذَلِكَ في صُورَةِ القَسَمِ بِالحُرُوفِ

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِجُمُوعِ السَّلامَةِ المُؤَنَّثَةِ في سُورٍ خَمْسٍ، ولَمْ يُقْسِمْ بِجُمُوعٍ السَّلامَةِ المُذَكَّرَةِ في سُورَةٍ أصْلًا، فَلَمْ يَقُلْ: والصّالِحِينَ مِن عِبادِي، ولا المُقَرَّبِينَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، مَعَ أنَّ المُذَكَّرَ أشْرَفُ، وذَلِكَ لِأنَّ جُمُوعَ السَّلامِ بِالواوِ والنُّونِ في الأمْرِ الغالِبِ لِمَن يَعْقِلُ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَسَمَ بِهَذِهِ الأشْياءِ لَيْسَ لِبَيانِ التَّوْحِيدِ إلّا في صُورَةِ ظُهُورِ الأمْرِ فِيهِ، وحُصُولِ الِاعْتِرافِ مِنهم بِهِ، ولا لِلرِّسالَةِ لِحُصُولِ ذَلِكَ في صُوَرِ القَسَمِ بِالحُرُوفِ والقُرْآنِ.

بَقِيَ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ إثْباتَ الحَشْرِ والجَزاءِ، لَكِنَّ إثْباتَ الحَشْرِ لِثَوابِ الصّالِحِ، وعَذابِ الطّالِحِ، فَفائِدَةُ ذَلِكَ راجِعٌ إلى مَن يَعْقِلُ، فَكانَ الأمْرُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ القَسَمُ بِغَيْرِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في السُّورَةِ الَّتِي أقْسَمَ لِإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ، أقْسَمَ في أوَّلِ الأمْرِ بِالسّاكِناتِ حَيْثُ قالَ:

صفحة ١٦٨

﴿والصّافّاتِ﴾[الصافات: ١] وفي السُّوَرِ الأرْبَعِ الباقِيَةِ أقْسَمَ بِالمُتَحَرِّكاتِ، فَقالَ: ﴿والذّارِياتِ﴾ وقالَ: ﴿والمُرْسَلاتِ﴾[المرسلات: ١] وقالَ: ﴿والنّازِعاتِ﴾[النازعات: ١] ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى:”والسّابِحاتِ ..... فالسّابِقاتِ“ وقالَ: ﴿والعادِياتِ﴾[العاديات: ١] وذَلِكَ لِأنَّ الحَشْرَ فِيهِ جَمْعٌ وتَفْرِيقٌ، وذَلِكَ بِالحَرَكَةِ ألْيَقُ، أوْ أنْ نَقُولَ في جَمِيعِ السُّوَرِ الأرْبَعِ أقْسَمَ بِالرِّياحِ عَلى ما بَيَّنَ وهي الَّتِي تَجْمَعُ وتُفَرِّقُ، فالقادِرُ عَلى تَأْلِيفِ السَّحابِ المُتَفَرِّقِ بِالرِّياحِ الذّارِيَةِ والمُرْسَلَةِ، قادِرٌ عَلى تَأْلِيفِ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ الَّتِي يَخْتارُها بِمَشِيئَتِهِ تَعالى.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في الذّارِياتِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: هي الرِّياحُ تَذْرُو التُّرابَ وغَيْرَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾[الكهف: ٤٥] .

الثّانِي: هي الكَواكِبُ مِن ذَرا يَذْرُو إذا أسْرَعَ.

الثّالِثُ: هي المَلائِكَةُ.

الرّابِعُ: رَبُّ الذّارِياتِ، والأوَّلُ أصَحُّ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: الأُمُورُ الأرْبَعَةُ جازَ أنْ تَكُونَ أُمُورًا مُتَبايِنَةً، وجازَ أنْ تَكُونَ أمْرًا لَهُ أرْبَعُ اعْتِباراتٍ:

الأوَّلُ: هي ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، أنَّ الذّارِياتِ هي الرِّياحُ والحامِلاتِ هي السَّحابُ، والجارِياتِ هي السُّفُنُ، والمُقَسِّماتِ هي المَلائِكَةُ الَّذِينَ يُقَسِّمُونَ الأرْزاقَ.

والثّانِي: وهو الأقْرَبُ أنَّ هَذِهِ صِفاتٌ أرْبَعٌ لِلرِّياحِ، فالذّارِياتُ هي الرِّياحُ الَّتِي تُنْشِئُ السَّحابَ أوَّلًا، والحامِلاتُ هي الرِّياحُ الَّتِي تَحْمِلُ السُّحُبَ الَّتِي هي بُخارُ المِياهِ الَّتِي إذا سَحَّتْ جَرَتِ السُّيُولُ العَظِيمَةُ، وهي أوَقارٌ أثْقَلُ مِن جِبالٍ، والجارِياتُ هي الرِّياحُ الَّتِي تَجْرِي بِالسُّحُبِ بَعْدَ حَمْلِها، والمُقَسِّماتُ هي الرِّياحُ الَّتِي تُفَرِّقُ الأمْطارَ عَلى الأقْطارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ هَذِهِ أُمُورٌ أرْبَعَةٌ مَذْكُورَةٌ في مُقابَلَةِ أُمُورٍ أرْبَعَةٍ بِها تَتِمُّ الإعادَةُ، وذَلِكَ لِأنَّ الأجْزاءَ الَّتِي تَفَرَّقَتْ بَعْضُها في تُخُومِ الأرَضِينَ، وبَعْضُها في قُعُورِ البُحُورِ، وبَعْضُها في جَوِّ الهَواءِ، وهي الأجْزاءُ اللَّطِيفَةُ البُخارِيَّةُ الَّتِي تَنْفَصِلُ عَنِ الأبْدانِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والذّارِياتِ﴾يَعْنِي الجامِعَ لِلذّارِياتِ مِنَ الأرْضِ،