< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah050
Qaaf (50)
The letter Qaaf, makkah, 45 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
أيْ تَحْفَظُهم مِنَ الكُفْرِ والنّارِ، وقَوْلُهُ:﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ﴾ في مَعْنى قَوْلِ القائِلِ: اليَوْمَ فُلانٌ عَلَيْنا، في جَوابِ مَن يَقُولُ: مَن عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ؟ أيْ مَنِ الوالِي عَلَيْكم.
ثالِثُها: هو بَيانٌ لِعَدَمِ وقْتِ نُزُولِ العَذابِ بَعْدُ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا أنْذَرَ وأعْذَرَ وأظْهَرَ لَمْ يُؤْمِنُوا كانَ يَقُولُ إنَّ هَذا وقْتُ العَذابِ، فَقالَ: نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَلَّطٍ فَذَكِّرْ بِعَذابِي إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا مَن بَقِيَ مِنهم مِمَّنْ تَعْلَمُ أنَّهُ يُؤْمِنُ ثُمَّ تَسَلَّطْ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ القِتالِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ أيْ مِن بَقِيَ مِنهم مِمَّنْ يَخافُ يَوْمَ الوَعِيدِ، وفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ:
أحَدُها: أنّا بَيَّنا في أحَدِ الوُجُوهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ﴾[ق: ٣٩] مَعْناهُ أقْبِلْ عَلى العِبادَةِ، ثُمَّ قالَ: ولا تَتْرُكِ الهِدايَةَ بِالكُلِّيَّةِ بَلْ ﴿وذَكِّرْ﴾ [ الذّارِياتِ: ٥٥ ] المُؤْمِنِينَ ﴿فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾[الذاريات: ٥٥]﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿بِالقُرْآنِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: فَذَكِّرْ بِما في القُرْآنِ واتْلُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ يَحْصُلُ لَهم بِسَبَبِ ما فِيهِ المَنفَعَةُ.
الثّانِي: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ﴾ أيْ بَيِّنْ بِهِ أنَّكَ رَسُولٌ لِكَوْنِهِ مُعْجِزًا، وإذا ثَبَتَ كَوْنُكَ رَسُولًا لَزِمَهم قَبُولُ قَوْلِكَ في جَمِيعِ ما تَقُولُ بِهِ.
الثّالِثُ: المُرادُ فَذَكِّرْ بِمُقْتَضى ما في القُرْآنِ مِنَ الأوامِرِ الوارِدَةِ بِالتَّبْلِيغِ والتَّذْكِيرِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ القُرْآنُ لِانْتِفاعِ النَّبِيِّ ﷺ بِهِ أيِ اجْعَلِ القُرْآنَ إمامَكَ، وذَكِّرْهم بِما أُخْبِرْتَ فِيهِ بِأنْ تُذَكِّرَهم، وعَلى الأوَّلِ مَعْناهُ اتْلُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ لِيَتَذَكَّرُوا بِسَبَبِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ مِن جُمْلَةِ ما يُبَيِّنُ كَوْنَ الخَشْيَةِ دالَّةً عَلى عَظَمَةِ المَخْشِيِّ أكْثَرَ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الخَوْفُ، حَيْثُ قالَ: (يَخافُ) عِنْدَما جَعَلَ المَخُوفَ عَذابَهُ ووَعِيدَهُ، وقالَ: ﴿واخْشَوْنِي﴾[البقرة: ١٥٠] عِنْدَما جَعَلَ المَخُوفَ نَفْسَهُ العَظِيمَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى الأُصُولِ الثَّلاثَةِ، وقَوْلُهُ: (وذَكِّرْ) إشارَةٌ إلى أنَّهُ مُرْسَلٌ مَأْمُورٌ بِالتَّذْكِيرِ مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ القُرْآنُ حَيْثُ قالَ: (بِالقُرْآنِ) وقَوْلُهُ: (وعِيدِ) إشارَةٌ إلى اليَوْمِ الآخِرِ وضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ في قَوْلِهِ: (وعِيدِ) يَدُلُّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، فَإنَّهُ لَوْ قالَ مَن يَخافُ وعِيدَ اللَّهِ كانَ يَذْهَبُ وهُمُ اللَّهِ إلى كُلِّ صَوْبٍ فَلِذا قالَ: (وعِيدِ) والمُتَكَلِّمُ أعْرِفُ المَعارِفِ وأبْعَدُ عَنِ الإشْراكِ بِهِ وقَبُولِ الِاشْتِراكِ فِيهِ، وقَدْ بَيَّنّا في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّ أوَّلَ السُّورَةِ وآخِرَها مُتَقارِبانِ في المَعْنى حَيْثُ قالَ في الأوَّلِ: ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾[ق: ١] وقالَ في آخِرِها: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ﴾ .
وهَذا آخِرُ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلاتُهُ عَلى خاتَمِ النَّبِيِّينَ وسَيِّدِ المُرْسَلِينَ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ وأزْواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ أجْمَعِينَ.