< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


تَعالى:﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ.

أحَدُها: تَسْلِيَةٌ لِقَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ وتَحْرِيضٌ لَهم عَلى ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الصَّبْرِ والتَّسْبِيحِ، أيِ اشْتَغِلْ بِما قُلْناهُ ولا يَشْغَلُكَ الشَّكْوى إلَيْنا، فَإنّا نَعْلَمُ أقْوالَهم ونَرى أعْمالَهم، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ مُناسِبٌ لَهُ أيْ لا تَقُلْ بِأنِّي أُرْسِلْتُ إلَيْهِمْ لِأهْدِيَهم، فَكَيْفَ أشْتَغِلُ بِما يَشْغَلُنِي عَنِ الهِدايَةِ وهو الصَّلاةُ والتَّسْبِيحُ، فَإنَّكَ ما بُعِثْتَ مُسَلَّطًا عَلى دَواعِيهِمْ وقُدَرِهِمْ، وإنَّما أُمِرْتَ بِالتَّبْلِيغِ، وقَدْ بَلَغْتَ فاصْبِرْ وسَبِّحْ وانْتَظِرِ اليَوْمَ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَكم.

ثانِيها: هي كَلِمَةُ تَهْدِيدٍ وتَخْوِيفٍ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإلَيْنا المَصِيرُ﴾ ظاهِرٌ في التَّهْدِيدِ بِالعِلْمِ بِعَمَلِكم لِأنَّ مَن يَعْلَمُ أنَّ مَرْجِعَهُ إلى المَلِكِ ولَكِنَّهُ يَعْتَقِدُ أنَّ المَلِكَ لا يَعْلَمُ ما يَفْعَلُهُ لا يَمْتَنِعُ مِنَ القَبائِحِ، أمّا إذا عَلِمَ أنَّهُ يَعْلَمُهُ وعِنْدَهُ غَيْبُهُ وإلَيْهِ عَوْدُهُ يَمْتَنِعُ.

فَقالَ تَعالى: ﴿وإلَيْنا المَصِيرُ﴾ و﴿نَحْنُ أعْلَمُ﴾ وهو ظاهِرٌ في التَّهْدِيدِ، وهَذا حِينَئِذٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكم فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[يُونُسَ: ٢٣]﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .

ثالِثُها: تَقْرِيرُ الحَشْرِ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الحَشْرَ عَلَيْهِ يَسِيرٌ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ ونُفُوذِ إرادَتِهِ، ولَكِنَّ تَمامَ ذَلِكَ بِالعِلْمِ الشّامِلِ حَتّى يُمَيِّزَ بَيْنَ جُزْءِ بَدَنَيْنِ جُزْءِ بَدَنِ زَيْدٍ وجُزْءِ بَدَنِ عَمْرٍو فَقالَ: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ لِكَمالِ قُدْرَتِنا، ولا يَخْفى عَلَيْنا الأجْزاءُ لِمَكانِ عِلْمِنا، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ مَعْناهُ نَحْنُ نَعْلَمُ عَيْنَ ما يَقُولُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾[ ق: ٣ ]﴿أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾[السجدة: ١٠] فَيَقُولُ: نَحْنُ نَعْلَمُ الأجْزاءَ الَّتِي يَقُولُونَ فِيها إنَّها ضالَّةٌ وخَفِيَّةٌ ولا يَكُونُ المُرادُ نَحْنُ نَعْلَمُ وقَوْلُهم في الأوَّلِ جازَ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً فَيَكُونُ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: (ما يَقُولُونَ) أيْ قَوْلَهم، وفي الوَجْهِ الآخَرِ تَكُونُ خَبَرِيَّةً، وعَلى هَذا الدَّلِيلِ فَلا يَصِحُّ قَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ﴾ إذْ لا عالِمَ بِتِلْكَ الأجْزاءِ سِواهُ حَتّى يَقُولَ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ﴾ نَقُولُ قَدْ عُلِمَ الجَوابُ عَنْهُ مِرارًا مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ أفْعَلَ لا يَقْتَضِي الِاشْتِراكَ في أصْلِ الفِعْلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾

صفحة ١٦٥

[الأحزاب: ٣٧] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾[مريم: ٧٧]، وفي قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾[الروم: ٢٧] .

ثانِيها: مَعْناهُ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ مِن كُلِّ عالِمٍ بِما يَعْلَمُهُ، والأوَّلُ أصَحُّ وأظْهَرُ وأوْضَحُ وأشْهَرُ وقَوْلُهُ: (﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ لِلتَّسْلِيَةِ أيْضًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا مَنَّ عَلَيْهِ بِالإقْبالِ عَلى الشُّغُلِ الأُخْرَوِيِّ وهو العِبادَةُ أخْبَرَ بِأنَّهُ لَمْ يُصْرَفْ عَنِ الشُّغُلِ الآخَرِ وهو البَعْثُ، كَما أنَّ المَلِكَ إذا أمَرَ بَعْضَ عَبِيدِهِ بِشُغُلَيْنِ فَظَهَرَ عَجْزُهُ في أحَدِهِما: يَقُولُ لَهُ أقْبِلْ عَلى الشُّغُلِ الآخَرِ مِنهُما ونَحْنُ نَبْعَثُ مَن يَقْدِرُ عَلى الَّذِي عَجَزَتْ عَنْهُ مِنهُما، فَقالَ:”اصْبِرْ وسَبِّحْ. وما أنْتَ ...... بِجَبّارٍ“ أيْ فَما كانَ امْتِناعُهم بِسَبَبِ تَجَبُّرٍ مِنكَ أوْ تَكَبُّرٍ فاشْمَأزُّوا مِن سُوءِ خُلُقِكَ، بَلْ كُنْتَ بِهِمْ رَؤُوفًا وعَلَيْهِمْ عَطُوفًا وبالَغْتَ وبَلَّغْتَ وامْتَنَعُوا فَأقْبِلْ عَلى الصَّبْرِ والتَّسْبِيحِ غَيْرَ مَصْرُوفٍ عَنِ الشُّغْلِ الأوَّلِ بِسَبَبِ جَبَرُوتِكَ، وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[القلم: ٤] .

ثانِيها: هو بَيانُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أتى بِما عَلَيْهِ مِنَ الهِدايَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ أرْسَلَهُ مُنْذِرًا وهادِيًا لا مُلْجِأً ومُجْبِرًا، وهَذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾[النساء: ٨٠]