< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah049
Al-Hujuraat (49)
The Inner Apartments, madinah, 18 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
صفحة ٩٥
[ سُورَةُ الحُجُراتِ ]ثَمانِيَ عَشْرَةَ آيَةً مَدَنِيَّةً
﷽
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
﷽
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
فِي بَيانِ حُسْنِ التَّرْتِيبِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنْ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ لَمّا جَرى مِنهم مَيْلٌ إلى الِامْتِناعِ، مِمّا أجازَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الصُّلْحِ وتَرْكِ آيَةِ التَّسْمِيَةِ والرِّسالَةِ، وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى، كَأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهم عَلى سَبِيلِ العُمُومِ: لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ولا تَتَجاوَزُوا ما يَأْمُرُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ.
الثّانِي: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مَحَلَّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعُلُوَّ دَرَجَتِهِ بِكَوْنِهِ رَسُولَهُ الَّذِي يُظْهِرُ دِينَهُ، وذَكَرَهُ بِأنَّهُ رَحِيمٌ بِالمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَحِيمٌ﴾[التوبة: ١٢٨] قالَ: لا تَتْرُكُوا مِنِ احْتِرامِهِ شَيْئًا لا بِالفِعْلِ ولا بِالقَوْلِ، ولا تَغْتَرُّوا بِرَأْفَتِهِ، وانْظُرُوا إلى رِفْعَةِ دَرَجَتِهِ.
الثّالِثُ: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ المُؤْمِنِينَ بِكَوْنِهِمْ أشِدّاءَ ورُحَماءَ فِيما بَيْنَهم، راكِعِينَ ساجِدِينَ، نَظَرًا إلى جانِبِ اللَّهِ تَعالى، وذَكَرَ أنَّ لَهم مِنَ الحُرْمَةِ عِنْدَ اللَّهِ ما أوْرَثَهم حُسْنَ الثَّناءِ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ﴾[الفتح: ٢٩] فَإنَّ المَلِكَ العَظِيمَ لا يَذْكُرُ أحَدًا في غَيْبَتِهِ إلّا إذا كانَ عِنْدَهُ مُحْتَرَمًا، ووَعَدَهم بِالأجْرِ العَظِيمِ، فَقالَ في هَذِهِ السُّورَةِ لا تَفْعَلُوا ما يُوجِبُ انْحِطاطَ دَرَجَتِكم وإحْباطَ حَسَناتِكم، و﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ . وقِيلَ: في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ وُجُوهٌ: قِيلَ: نَزَلَتْ في صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في التَّضْحِيَةِ قَبْلَ صَلاةِ العِيدِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في ثَلاثَةٍ قَتَلُوا اثْنَيْنِ مِن سَلِيمٍ ظَنُّوهُما مِن بَنِي عامِرٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في جَماعَةٍ أكْثَرُوا مِنَ السُّؤالِ، وكانَ قَدْ قَدِمَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وُفُودٌ. والأصَحُّ أنَّهُ إرْشادٌ عامٌّ يَشْمَلُ الكُلَّ، ومَنعٌ مُطْلَقٌ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ إثْباتٍ وتَقَدُّمٍ واسْتِبْدادٍ بِالأمْرِ، وإقْدامٍ عَلى فِعْلٍ غَيْرِ ضَرُورِيٍّ مِن غَيْرِ مُشاوَرَةٍ، وفي التَّفْسِيرِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مِنَ التَّقْدِيمِ الَّذِي هو
صفحة ٩٦
مُتَعَدٍّ، وعَلى هَذا فَفِيهِ وجْهانِ:أحَدُهُما: تَرْكُ مَفْعُولِهِ بِرَأْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾[البقرة: ٢٥٨] وقَوْلُ القائِلِ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، ولا يُرِيدُ بِهِما إعْطاءَ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ ولا مَنعَ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وإنَّما يُرِيدُ بِهِما أنَّ لَهُ مَنعًا وإعْطاءً، كَذَلِكَ هَهُنا، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لا يَنْبَغِي أنْ يَصْدُرَ مِنكم تَقْدِيمٌ أصْلًا.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الفِعْلَ أوِ الأمْرَ، كَأنَّهُ يَقُولُ: ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ يَعْنِي فِعْلًا ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أوْ لا تُقَدِّمُوا أمْرًا. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ بِمَعْنى لا تَتَقَدَّمُوا، وعَلى هَذا فَهو مَجازٌ لَيْسَ المُرادُ هو نَفْسُ التَّقْدِيمِ، بَلِ المُرادُ: لا تَجْعَلُوا لِأنْفُسِكم تَقَدُّمًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يُقالُ: فُلانٌ تَقَدَّمَ مِن بَيْنِ النّاسِ إذا ارْتَفَعَ أمَرُهُ وعَلا شَأْنُهُ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ مَنِ ارْتَفَعَ يَكُونُ مُتَقَدِّمًا في الدُّخُولِ في الأُمُورِ العِظامِ، وفي الذِّكْرِ عِنْدَ ذِكْرِ الكِرامِ، وعَلى هَذا نَقُولُ: سَواءٌ جَعَلْناهُ مُتَعَدِّيًا أوْ لازِمًا لا يَتَعَدّى إلَيْهِ التَّقْدِيمُ في قَوْلِنا: قَدَّمْتُ زَيْدًا، فَتَقْدِيرُهُ: لا تُقَدِّمُوا أنْفُسَكم في حَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ أيْ لا تَجْعَلُوا لِأنْفُسِكم تَقَدُّمًا ورَأْيًا عِنْدَهُ، ولا نَقُولُ بِأنَّ المُرادَ لا تُقَدِّمُوا أمْرًا وفِعْلًا، وحِينَئِذٍ تَتَّحِدُ القِراءَتانِ في المَعْنى، وهُما قِراءَةُ مَن قَرَأ بِفَتْحِ التّاءِ والدّالِ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الدّالِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾أيْ بِحَضْرَتِهِما؛ لِأنَّ ما بِحَضْرَةِ الإنْسانِ فَهو