< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah050
Qaaf (50)
The letter Qaaf, makkah, 45 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
يُوجَدُ فِيهِ ما يَتِمُّ بِهِ الوَصْفُ وهو الأمْرُ الآخَرُ الَّذِي مَعْناهُ ذُو كَذا فَلَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ صِفَةً وإذا بانَ القَوْلُ فَـ”مَن“ في العُقَلاءِ كَ ”ما“ في غَيْرِهِمْ وفِيهِمْ فَـ”مَن“ مَعْناهُ إنْسانٌ أوْ مَلِكٌ أوْ غَيْرُهُما مِنَ الحَقائِقِ العاقِلَةِ، والحَقائِقِ لا تَقَعُ صِفاتٍ، وأمّا الَّذِي يَقَعُ عَلى الحَقائِقِ والأوْصافِ ويَدْخُلُ في مَفْهُومِهِ تَعْرِيفٌ أكْثَرَ مِمّا يَدْخُلُ في مَجازِ الوَصْفِ بِ”ما“ دُونَ مَن.
وفِي الآيَةِ لَطائِفُ مَعْنَوِيَّةٌ:
الأوَّلُ: الخَشْيَةُ والخَوْفُ مَعْناهُما واحِدٌ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، لَكِنْ بَيْنَهُما فَرْقٌ وهو أنَّ الخَشْيَةَ مِن عَظَمَةِ المَخْشِيِّ، وذَلِكَ لِأنَّ تَرْكِيبَ حُرُوفِ خ ش ي في تَقالِيبِها يَلْزَمُهُ مَعْنى الهَيْبَةِ يُقالُ شَيْخٌ لِلسَّيِّدِ والرَّجُلِ الكَبِيرِ السِّنِّ وهم جَمِيعًا مَهِيبانِ، والخَوْفَ خَشْيَةٌ مِن ضَعْفِ الخاشِي وذَلِكَ لِأنَّ تَرْكِيبَ خ و ف في تَقالِيبِها يَدُلُّ عَلى الضَّعْفِ تَدُلُّ عَلَيْهِ الخِيفَةُ والخُفْيَةُ ولَوْلا قُرْبُ مَعْناهُما لَما ورَدَ في القُرْآنِ ﴿تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾[الأنعام: ٦٣] و﴿تَضَرُّعًا وخِيفَةً﴾ والمَخْفِيُّ فِيهِ ضَعْفٌ كالخائِفِ إذا عَلِمْتَ هَذا تَبَيَّنَ لَكَ اللَّطِيفَةَ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ ذَكَرَ لَفْظَ الخَشْيَةِ حَيْثُ كانَ الخَوْفُ مِن عَظَمَةِ المَخْشِيِّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾[فاطر: ٢٨]، وقالَ: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾[الحشر: ٢١] فَإنَّ الجَبَلَ لَيْسَ فِيهِ ضَعْفٌ يَكُونُ الخَوْفُ مِن ضَعْفِهِ، وإنَّما اللَّهُ عَظِيمٌ يَخْشاهُ كُلُّ قَوِيٍّ و﴿هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾[المؤمنون: ٥٧] مَعَ أنَّ المَلائِكَةَ أقْوِياءُ وقالَ تَعالى: ﴿وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾[الأحزاب: ٣٧] أيْ تَخافُهم إعْظامًا لَهم إذْ لا ضَعْفَ فِيكَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، وقالَ تَعالى: ﴿لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ﴾[العنكبوت: ٣٣] أيْ لا تَخَفْ ضَعْفًا فَإنَّهم لا عَظَمَةَ لَهم وقالَ: (يَخافُونَ يَوْمًا) [ النُّورِ: ٣٧ ] حَيْثُ كانَ عَظَمَةُ اليَوْمِ بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَةِ اللَّهِ ضَعِيفَةً وقالَ: ﴿ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا﴾[فصلت: ٣٠] أيْ بِسَبَبٍ مَكْرُوهٍ يَلْحَقُكم مِنَ الآخِرَةِ فَإنَّ المَكْرُوهاتِ كُلَّها مَدْفُوعَةٌ عَنْكم، وقالَ تَعالى: ﴿خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾[القصص: ٢١] وقالَ: ﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾[الشعراء: ١٤] لِوَحْدَتِهِ وضَعْفِهِ وقالَ هارُونُ: (إنِّي خَشِيتُ) [طه: ٩٤] لِعَظَمَةِ مُوسى في عَيْنِ هارُونَ لا لِضَعْفٍ فِيهِ وقالَ: ﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾[الكهف: ٨٠] حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِضَعْفٍ فِيهِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّكَ إذا تَأمَّلْتَ اسْتِعْمالَ الخَشْيَةِ وجَدْتَها مُسْتَعْمَلَةً لِخَوْفٍ بِسَبَبِ عَظَمَةِ المَخْشِيِّ، وإذا نَظَرْتَ إلى اسْتِعْمالِ الخَوْفِ وجَدْتَهُ مُسْتَعْمَلًا لِخَشْيَةٍ مِن ضَعْفِ الخائِفِ، وهَذا في الأكْثَرِ ورُبَّما يَتَخَلَّفُ المُدَّعى عَنْهُ لَكِنَّ الكَثْرَةَ كافِيَةٌ.
الثّانِيَةُ: قالَ اللَّهُ تَعالى هَهُنا: ﴿خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ مَعَ أنَّ وصْفَ الرَّحْمَةِ غالِبًا يُقابِلُ الخَشْيَةَ إشارَةً إلى مَدْحِ المُتَّقِي حَيْثُ لَمْ تَمْنَعْهُ الرَّحْمَةُ مِنَ الخَوْفِ بِسَبَبِ العَظَمَةِ، وقالَ تَعالى: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾[الحشر: ٢١] إشارَةً إلى ذَمِّ الكافِرِ حَيْثُ لَمْ تَحْمِلْهُ الأُلُوهِيَّةُ الَّتِي تُنْبِئُ عَنْها لَفْظَةُ اللَّهِ وفِيها العَظَمَةُ عَلى خَوْفِهِ وقالَ: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾[فاطر: ٢٨]لِأنَّ”إنَّما“ لِلْحَصْرِ فَكانَ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الجاهِلَ لا يَخْشاهُ فَذَكَرَ ”اللَّهَ“ لِيُبَيِّنَ أنَّ عَدَمَ خَشْيَتِهِ مَعَ قِيامِ المُقْتَضى وعَدَمَ المانِعِ وهو الرَّحْمَةُ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في سُورَةِ يس ونَزِيدُ هَهُنا شَيْئًا آخَرَ، وهو أنْ نَقُولَ لَفْظَةُ ”الرَّحْمَنِ“ إشارَةٌ إلى مُقْتَضى لا إلى المانِعِ، وذَلِكَ لِأنَّ الرَّحْمَنَ مَعْناهُ واهِبُ الوُجُودِ بِالخَلْقِ، والرَّحِيمُ واهِبُ البَقاءِ بِالرِّزْقِ وهو في الدُّنْيا رَحْمانٌ حَيْثُ أوْجَدَنا بِالرَّحْمَةِ، ورَحِيمٌ حَيْثُ أبْقى بِالرِّزْقِ، ولا يُقالُ لِغَيْرِهِ