< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah050
Qaaf (50)
The letter Qaaf, makkah, 45 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ بَدَلًا عَنِ الضَّمِيرِ في تُوعَدُونَ، وكَذَلِكَ إنْ قُرِئَ بِالياءِ يَكُونُ تَقْدِيرُهُ هَذا لِكُلِّ أوّابٍ بَدَلًا عَنِ الضَّمِيرِ، والأوّابُ الرَّجّاعُ، قِيلَ هو الَّذِي يَرْجِعُ مِنَ الذُّنُوبِ ويَسْتَغْفِرُ، والحَفِيظُ الحافِظُ لِلَّذِي يَحْفَظُ تَوْبَتَهُ مِنَ النَّقْضِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ الأوّابُ هو الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ بِفِكْرِهِ، والحَفِيظُ الَّذِي يَحْفَظُ اللَّهَ في ذِكْرِهِ أيْ رَجَعَ إلَيْهِ بِالفِكْرِ فَيَرى كُلَّ شَيْءٍ واقِعًا بِهِ ومُوجَدًا مِنهُ ثُمَّ إذا انْتَهى إلَيْهِ حَفِظَهُ بِحَيْثُ لا يَنْساهُ عِنْدَ الرَّخاءِ والنَّعْماءِ، والأوّابُ والحَفِيظُ كِلاهُما مِن بابِ المُبالَغَةِ أيْ يَكُونُ كَثِيرَ الأوْبِ شَدِيدَ الحِفْظِ، وفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ أدَقُّ، وهو أنَّ الأوّابَ هو الَّذِي رَجَعَ عَنْ مُتابَعَةِ هَواهُ في الإقْبالِ عَلى ما سِواهُ، والحَفِيظُ هو الَّذِي إذا أدْرَكَهُ بِأشْرَفِ قُواهُ لا يَتْرُكُهُ فَيُكْمِلُ بِها تَقْواهُ ويَكُونُ هَذا تَفْسِيرًا لِلْمُتَّقِي؛ لِأنَّ المُتَّقِي هو الَّذِي اتَّقى الشِّرْكَ والتَّعْطِيلَ ولَمْ يُنْكِرْهُ ولَمْ يَعْتَرِفْ بِغَيْرِهِ، والأوّابُ هو الَّذِي لا يَعْتَرِفُ بِغَيْرِهِ ويَرْجِعُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والحَفِيظُ هو الَّذِي لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ إلى شَيْءٍ مِمّا عَداهُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ وفِي”مَن“ وُجُوهٌ:
أحَدُها: وهو أغْرَبُها أنَّهُ مُنادى كَأنَّهُ تَعالى قالَ: يا مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ ادْخَلُوها بِسَلامٍ وحَذْفُ حَرْفِ النِّداءِ شائِعٌ.
وثانِيها: ”مَن“ بَدَلٌ عَنْ كُلٍّ في قَوْلِهِ تَعالى: (لِكُلِّ أوّابٍ) مِن غَيْرِ إعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ تَقْدِيرُهُ أُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِمَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ.
ثالِثُها: في قَوْلِهِ تَعالى: (أوّابٍ حَفِيظٍ) مَوْصُوفٌ مَعْلُومٌ غَيْرُ مَذْكُورٍ كَأنَّهُ يَقُولُ لِكُلِّ شَخْصٍ أوّابٍ أوْ عَبْدٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ بَدَلٌ عَنْ ذَلِكَ المَوْصُوفِ.
هَذِهِ وُجُوهٌ ثَلاثَةٌ ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنْ أوّابٍ أوْ حَفِيظٍ لِأنَّ ”أوّابٍ“ و”حَفِيظٍ“ قَدْ وُصِفَ بِهِ مَوْصُوفٌ مَعْلُومٌ غَيْرُ مَذْكُورٍ كَما بَيَّناهُ، والبَدَلُ في حُكْمِ المُبْدَلِ مِنهُ، فَتَكُونُ ”مَن“ مَوْصُوفًا بِها ومَن لا يُوصَفُ بِها لا يُقالُ: الرَّجُلُ مَن جاءَنِي جالَسَنِي، كَما يُقالُ الرَّجُلُ الَّذِي جاءَنِي جالَسَنِي، هَذا تَمامُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، فَإنْ قالَ قائِلٌ إذا كانَ مَن والَّذِي يَشْتَرِكانِ في كَوْنِهِما مِنَ المَوْصُولاتِ فَلِماذا لا يَشْتَرِكانِ في جَوازِ الوَصْفِ بِهِما ؟ نَقُولُ: الأمْرُ مَعْقُولٌ نُبَيِّنُهُ في ”ما“، ومِنهُ يَتَبَيَّنُ الأمْرُ فِيهِ فَنَقُولُ: ما اسْمٌ مُبْهَمٌ يَقَعُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَمَفْهُومُهُ هو شَيْءٌ لَكِنَّ الشَّيْءَ هو أعَمَّ الأشْياءِ فَإنَّ الجَوْهَرَ شَيْءٌ والعَرَضَ شَيْءٌ والواجِبَ شَيْءٌ والمُمْكِنَ شَيْءٌ، والأعَمُّ قَبْلَ الأخَصِّ في الفَهْمِ لِأنَّكَ إذا رَأيْتَ مِنَ البُعْدِ شَبَحًا تَقُولُ أوَّلًا إنَّهُ شَيْءٌ ثُمَّ إذا ظَهَرَ لَكَ مِنهُ ما يَخْتَصُّ بِالنّاسِ تَقُولُ إنْسانٌ فَإذا بانَ ذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرٌ قُلْتَ هو رَجُلٌ فَإذا وجَدْتَهُ ذا قُوَّةٍ تَقُولُ شُجاعٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فالأعَمُّ أعْرَفُ وهو قَبْلَ الأخَصِّ في الفَهْمِ فَمَفْهُومُ ما قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِأنَّ الصِّفَةَ بَعْدَ المَوْصُوفِ هَذا مِن حَيْثُ
صفحة ١٥٣
المَعْقُولُ، وأمّا مِن حَيْثُ النَّحْوِ فَلِأنَّ الحَقائِقَ لا يُوصَفُ بِها، فَلا يُقالُ جِسْمٌ رَجُلٌ جاءَنِي كَما يُقالُ جِسْمٌ ناطِقٌ جاءَنِي؛ لِأنَّ الوَصْفَ يَقُومُ بِالمَوْصُوفِ والحَقِيقَةَ تَقُومُ بِنَفْسِها لا بِغَيْرِها وكُلُّ ما يَقَعُ وصْفًا لِلْغَيْرِ يَكُونُ مَعْناهُ شَيْءٌ لَهُ كَذا، فَقَوْلُنا عالِمٌ مَعْناهُ شَيْءٌ لَهُ عِلْمٌ أوْ عالَمِيَّةٌ فَيَدْخُلُ في مَفْهُومِ الوَصْفِ شَيْءٌ مَعَ أمْرٍ آخَرَ وهو لَهُ كَذا لَكِنْ ما لِمُجَرَّدِ شَيْءٍ فَلا