< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah050
Qaaf (50)
The letter Qaaf, makkah, 45 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
وقَوْلُهُ:﴿هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لِبَيانِ اسْتِكْثارِها الدّاخِلِينَ، كَما أنَّ مَن يَضْرِبُ غَيْرَهُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا، أوْ يَشْتُمُهُ شَتْمًا قَبِيحًا فاحِشًا، ويَقُولُ المَضْرُوبُ: هَلْ بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ !، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ( لَأمْلَأنَّ) لِأنَّ الِامْتِلاءَ لا بُدَّ مِن أنْ يَحْصُلَ، فَلا يَبْقى في جَهَنَّمَ مَوْضِعٌ خالٍ حَتّى تَطْلُبَ المَزِيدَ.
والثّانِي: هو أنَّها تَطْلُبُ الزِّيادَةَ، وحِينَئِذٍ لَوْ قالَ قائِلٌ فَكَيْفَ يُفْهَمُ مَعَ هَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: (لَأمْلَأنَّ) ؟ نَقُولُ: (الجَوابُ): عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا الكَلامَ رُبَّما يَقَعُ قَبْلَ إدْخالِ الكُلِّ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ جَهَنَّمَ تَتَغَيَّظُ عَلى الكُفّارِ فَتَطْلُبُهم، ثُمَّ يَبْقى فِيها مَوْضِعٌ لِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ، فَتَطْلُبُ جَهَنَّمُ امْتِلاءَها لِظَنِّها بَقاءَ أحَدٍ مِنَ الكُفّارِ خارِجًا، فَيُدْخَلُ العاصِي مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَيُبْرِدُ إيمانُهَ حَرارَتَها، ويُسْكِنُ إيقانُهُ غَيْظَها فَتَسْكُنُ، وعَلى هَذا يُحْمَلُ ما ورَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ، أنَّ جَهَنَّمَ تَطْلُبُ الزِّيادَةَ حَتّى يَضَعَ الجَبّارُ قَدَمَهُ، والمُؤْمِنُ جَبّارٌ مُتَكَبِّرٌ عَلى ما سِوى اللَّهِ تَعالى ذَلِيلٌ مُتَواضِعٌ لِلَّهِ.
الثّانِي: أنْ تَكُونَ جَهَنَّمُ تَطْلُبُ أوَّلًا سِعَةً في نَفْسِها، ثُمَّ مَزِيدًا في الدّاخِلِينَ لِظَنِّها بَقاءَ أحَدٍ مِنَ الكُفّارٍ.
الثّالِثُ: أنَّ المَلْءَ لَهُ دَرَجاتٌ، فَإنَّ الكَيْلَ إذا مُلِئَ مِن غَيْرِ كَبْسٍ صَحَّ أنْ يُقالَ: مُلِئَ وامْتَلَأ، فَإذا كُبِسَ يَسَعُ غَيْرَهُ ولا يُنافِي كَوْنَهُ مَلْآنَ أوَّلًا، فَكَذَلِكَ في جَهَنَّمَ مَلَأها اللَّهُ ثُمَّ تَطْلُبُ زِيادَةً تَضْيِيقًا لِلْمَكانِ عَلَيْهِمْ وزِيادَةً في التَّعْذِيبِ، والمَزِيدُ جازَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ هَلْ بَقِيَ أحَدٌ تَزِيدُ بِهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ . بِمَعْنى قَرِيبًا أوْ بِمَعْنى قَرِيبٍ، والأوَّلُ أظْهَرُ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما وجْهُ التَّقْرِيبِ، مَعَ أنَّ الجَنَّةَ مَكانٌ والأمْكِنَةُ يَقْرُبُ مِنها وهي لا تَقْرُبُ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ: عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الجَنَّةَ لا تُزالُ ولا تُنْقَلُ، ولا المُؤْمِنُ يُؤْمَرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِالِانْتِقالِ إلَيْها مَعَ بُعْدِها، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى يَطْوِي المَسافَةَ الَّتِي بَيْنَ المُؤْمِنِ والجَنَّةِ فَهو التَّقْرِيبُ. فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا لَيْسَ إزْلافُ الجَنَّةِ مِنَ المُؤْمِنِ بِأوْلى مِن إزْلافِ المُؤْمِنِ مِنَ الجَنَّةِ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: أُزْلِفَتِ الجَنَّةُ ؟ نَقُولُ: إكْرامًا لِلْمُؤْمِنِ، كَأنَّهُ تَعالى أرادَ بَيانَ شَرَفِ المُؤْمِنِ المُتَّقِي أنَّهُ مِمَّنْ يُمْشى إلَيْهِ ويُدْنى مِنهُ.
الثّانِي: قُرِّبَتْ مِنَ الحُصُولِ في الدُّخُولِ، لا بِمَعْنى القُرْبِ المَكانِيِّ، يُقالُ يَطْلُبُ مِنَ المَلِكِ أمْرًا خَطِيرًا، والمَلِكُ بِعِيدٌ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ إذا رَأى مِنهُ مَخايِلَ إنْجازِ حاجَتِهِ يُقالُ قُرِّبَ المَلِكُ، وما زِلْتُ أُنْهِي إلَيْهِ حالَكَ حَتّى قَرَّبْتَهُ، فَكَذَلِكَ الجَنَّةُ كانَتْ بَعِيدَةَ الحُصُولِ؛ لِأنَّها بِما فِيها لا قِيمَةَ لَها، ولا قُدْرَةَ لِلْمُكَلَّفِ عَلى تَحْصِيلِها لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ ﷺ: «”ما مِن أحَدٍ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى، فَقِيلَ: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: ولا أنا“»
صفحة ١٥١
وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ ”غَيْرَ“ نُصِبَ عَلى الحالِ، تَقْدِيرُهُ قُرِّبَتْ مِنَ الحُصُولِ، ولَمْ تَكُنْ بَعِيدَةً في المَسافَةِ حَتّى يُقالَ كَيْفَ قُرِّبَتْ.الثّالِثُ: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى نَقْلِ الجَنَّةِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ فَيُقَرِّبُها لِلْمُؤْمِنِ. وأمّا إنْ قُلْنا إنَّها قُرِّبَتْ، فَمَعْناهُ جُمِعَتْ مَحاسِنُها، كَما قالَ تَعالى: ﴿فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾[فصلت: ٣١] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عَلى هَذا الوَجْهِ وعَلى قَوْلِنا قُرِّبَتْ تَقْرِيبَ حُصُولٍ ودُخُولٍ، فَهو يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُزْلِفَتِ﴾أيْ في ذَلِكَ اليَوْمِ ولَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ، وأمّا في جَمْعِ المَحاسِنِ فَرُبَّما يَزِيدُ اللَّهُ فِيها زِينَةَ وقْتِ الدُّخُولِ، وأمّا في الحُصُولِ فَلِأنَّ الدُّخُولَ قَبْلَ ذَلِكَ